فصل: الشاهد الرابع والسبعون(br)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: خزانة الأدب وغاية الأرب ***


الشاهد الثالث والسبعون

بنونا بنو أبنائنا، وبناتن *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد

على أن المبتدأ والخبر إذا تساويا تعريفاً وتخصيصاً يجوز تأخير المبتدأ إذا كان هناك قرينة معنوية على تعيين المبتدأ، فإنه قدم الخبر هنا على المبتدأ لوجود القرينة من حيث المعنى، فإنك عرفت أن الخبر هو محط الفائدة، فما يكون فيه التشبيه الذي تذكر الجملة لأجله فهو الخبر، وهو قوله بنونا، إذ المعنى‏:‏ أن بني أبنائنا مثل بنينا، لا أن بنينا مثل بني أبنائنا‏.‏

قال ابن هشام في شرح شواهد ابن الناظم‏:‏ وقد يقال‏:‏ إن هذا البيت لا تقديم فيه ولا تأخير، وإنه جاء على عكس التشبيه كقول ذي الرمة‏:‏

ورمل كأوراك العذارى قطعته

فكان ينبغي للشارح - يعني ابن الناظم - أن يستدل بما أنشده والده في شرح التسهيل من قول حسان بن ثابت رضي الله عنه‏:‏ البسيط

قبيلة ألأم الأحياء أكرمه *** وأغدر الناس بالجيران وافيها

إذ المراد‏:‏ الأخبار عن أكرمها بأنه ألأم الأحياء، وعن وافيها بأنه أغدر الناس، لا العكس ‏.‏ انتهى المراد منه‏.‏

وقد منع الكوفيون تأخير المبتدأ، قال ابن الأنباري في الإنصاف‏:‏ ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبر المبتدأ عليه، مفرداً كان وجملة؛ فالأول نحو، قائم زيد، والثاني نحو‏:‏ أبوه قائم زيد‏.‏ وأجازه البصريون لمجيئه في كلام العرب نظماً ونثراً، ومن النظم قوله‏:‏ بنونا بنو أبنائنا‏.‏‏.‏ البيت ‏.‏ وأطال الكلام فيه‏.‏

وهذا البيت لا يعرفه قائله مع شهرته في كتب النحاة وغيرهم؛ قال العيني‏:‏ وهذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث، وأن الانتساب إلى الآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والبيان في التشبيه‏.‏ ولم أر أحداً منهم عزاه إلى قائله ‏.‏

ورأيت في شرح الكرماني في شرح شواهد الكافية للخبيصي أنه قال‏:‏ هذا البيت قائله أبو فراس همام الفرزدق بن غالب، ثم ترجمه‏.‏ والله أعلم بحقيقة الحال‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو

الشاهد الرابع والسبعون

قول أبي تمام‏:‏

لعاب الأفاعي القاتلات لعابه *** وأري الجنى اشتارته أيد عواسل

لما تقدم في البيت قبله‏.‏ أي‏:‏ لعابه مثل لعاب الأفاعي‏.‏

وهذا البيت أحد أبيات عشرة في وصف القلم، من قصيدة لأبي تمام، مدح بها محمد بن عبد الملك الزيات‏.‏

وأبيات القلم هي هذه، وهي أحسن وأفخم من جميع ما قيل في القلم‏:‏

لك القلم الأعلى الذي بشباته *** ينال من الأمر الكلى والمفاصل

له الخلوات اللاء لولا نجيه *** لما احتفلت للملك تلك المحافل

لعاب الأفاعي القاتلات لعابه *** وأري الجنى اشتارته أيد عواسل

له ريقة طل، ولكن وقعه *** بآثاره في الشرق والغرب وابل

فصيح، إذا استنطقته وهو راكب *** وأعجم، إن ناطقته وهو راجل

إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت *** عليه شعاب الفكر وهي حوافل

أطاعته أطراف الرماح وقوضت *** لنجواه تقويض الخيام الجحافل

إذا استغزر الذهن الخلي وأقبلت *** أعاليه في القرطاس وهي أسافل

وقد رفدته الخنصران وسددت *** ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل

رأيت جليلاً شأنه وهو مرهف *** ضنى، وسميناً خطبه وهو ناحل

الشبا بفتح الشين والقصر‏:‏ حد كل شيء‏.‏ وقوله‏:‏ ينال من الأمر ، روى أيضاً يصاب من الأمر ‏.‏و الكلى‏:‏ جمع كلية وكلوة، جاء بالياء والواو‏.‏ والمفاصل‏:‏ جمع مفصل، وهو ملتقى كل عظمين، أراد أن القلم يطبق المفصل ويصادف المحز، وبه ينال مقاصد الأمور، فإنه ينال بأقلام، ما يعجز عنه مجالدة الحسام‏.‏

وقوله‏:‏ له الخلوات إلخ ، يعني أن أصحاب القلم هم أهل المشورة وموضع السر يخلي لهم الملوك المجالس للمشورة، وبهم يحصل نظام الملك‏.‏ والنجي‏:‏ المسار والتناجي المسارة؛ وأراد به المشير، فإن المشورة تكون سراً غالباً‏.‏ والاحتفال حسن القيام بالأمور‏.‏ والمحافل‏:‏ جمع محفل كمجلس ومقعد، وهو المجتمع‏.‏ واللعاب‏:‏ ما يسيل من الفم‏.‏ والقاتلات‏:‏ صفة كاشفة للأفاعي، ذكرها تهويلاً‏.‏ والأري ، بفتح الهمزة وسكون الراء‏:‏ ما لزق من العسل في جوف الخلية‏.‏ والجنى بفتح الجيم والقصر‏:‏ العسل، والإضافة للتخصيص؛ فإن الأري يأتي أيضاً بمعنى ما لزق بأسفل القدر من الطبيخ، وإن جعلت الأري بمعنى العسل والجنى بمعنى كل ما يجنى‏:‏ من ثمرة ونحوها، يلزم إضافة الموصوف إلى الصفة‏.‏ واشتارته‏:‏ استخرجته، يقال شار فلان العسل شوراً وشيارا وشيارة‏:‏ إذا استخرجه، وكذلك أشاره واستشاره‏.‏ وأيد جمع يد‏.‏ والعواسل‏:‏ جمع عاسلة أي‏:‏ مستخرجة من العسل، والعاسل‏:‏ مشتار العسل من موضعه‏.‏ والمصراع الأول بالنسبة إلى الأعداء والثاني بالنسبة إلى الأولياء، يعني أن لعاب قلمه بالنسبة إلى الأعداء سم قاتل، وبالنسبة إلى الأولياء شفاء عاجل‏.‏ فقوله‏:‏ لعابه ، مبتدأ مؤخر ولعاب الأفاعي خبر مقدم، وأري معطوف على الخبر، وجاز هذا مع تعرف الطرفين لأن المعنى دل عليه، فإن اللعاب القاتل إنما هو لعاب الأفاعي، فلعاب القلم مشبه به في التأثير‏.‏ وعلم من هذا أنه ليس من التشبيه المقلوب فإن لعاب القلم قد شبه بشيئين وهما السم والعسل باعتبارين وإن جعلته من التشبيه المقلوب كان من عطف الجمل، والخبر في المعطوف محذوف‏.‏ وفيه تكلف‏.‏

وقوله‏:‏ له ريقة طل ريقة مبتدأ، وطل وصفه، والظرف قبله خبره والطل‏:‏ المطر الضعيف، والوابل وكذا الوبل‏:‏ المطر الشديد الضخم القطر‏.‏ إن ما يجري من القلم حقير تافه في ظاهر الأمر، ولكن له أثر خير عم المشارق والمغرب‏.‏

وأراد ب الخمس اللطاف الأصابع الخمس‏.‏ والشعاب‏:‏ جمع شعب بكسرهما‏:‏ الطريق في الجبل‏.‏ والحوافل‏:‏ جمع حافلة؛ يقال حفل اللبن وغيره حفلاً وحفولاً‏:‏ اجتمع، واحتفل الوادي‏:‏ امتلأ وسال‏.‏

وقوله‏:‏ أطاعته أطراف إلخ ، هو جواب إذا ‏.‏ وروى‏:‏ أطاعته أطراف القنا وتقوضت ، يقال تقوضت الصفوف‏:‏ إذا انتقضت، وأصله من تقويض البناء وهو نقضه من غير هدم‏.‏ والنجوى‏:‏ السر‏.‏ وتقويض أي‏:‏ كتقويض الخيام‏.‏ والجحافل‏:‏ فاعل قوضت، وهو جمع جحفل بتقديم الجيم على المهملة كجعفر‏:‏ الجيش‏.‏ واستغزر الذهن‏:‏ وجده غزيراً‏.‏ وفاعله ضمير القلم‏.‏ والخلي‏:‏ الخالي‏.‏ وروى بدله الذكي أي‏:‏ المتوقد‏.‏ وإنما تكون أعالي القلم أسافل حين الكتابة‏.‏ ورفدته‏:‏ أعانته‏.‏ ورأيت‏:‏ جواب إذا‏.‏ وشأنه‏:‏ فاعل جليلاً‏.‏ وجملة وهو مرهف حال، وهو اسم مفعول من أرهفت السيف ونحوه إذا رققت شفرتيه، ويقال أيضاً رهفته رهفاً، فهو رهيف ومرهوف‏.‏ وضنى تمييز، وهو مصدر ضني من باب تعب، إذا مرض مرضاً ملازماً‏.‏ وسميناً معطوف على جليلاً‏.‏ وناحل‏:‏ من نحل الجسم ينحل بفتحهما نحولاً‏:‏ سقم، ومن باب تعب لغة‏.‏

وأبو تمام الطائي مضت ترجمته في الشاهد الرابع والخمسين ولم يورد الشارح المحقق بيته هنا شاهداً، وإنما أورده نظيراً لما قبله‏.‏

وأما ابن الزيات الذي مدحه أبو تمام بهذه القصيدة فهو أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن أبان، المعروف بابن الزيات، كان جده أبان من قرية يقال لها الدسكرة يجلب الزيت‏.‏ وكان محمد من أهل الأدب فاضلاً عالماً بالنحو واللغة‏.‏

ولما قدم المازني بغداد في أيام المعتصم كان أصحابه وجلساؤه يحضرون بين يديه في علم النحو، فإذا اختلفوا فيما يقع فيه الشك يقول لهم المازني‏:‏ ابعثوا إلى هذا الفتى الكاتب - يعني محمد بن عبد الملك - فاسألوه واعرفوا جوابه‏.‏ وكان يصوب جوابه، فعلا شأنه بذلك‏.‏

وكان في أول أمره من جملة الكتاب، وكان أحمد بن عمار البصري وزير المعتصم، فورد على المعتصم كتاب من بعض الأعمال فقرأه الوزير عليه فإذا في الكتاب ذكر الكلأ ، فقال له المعتصم‏:‏ ما الكلأ‏؟‏ فقال‏:‏ لا أعلم‏.‏ فقال المعتصم‏:‏ خليفة أمي ووزير عامي‏؟‏‏!‏ ثم قال‏:‏ أبصروا من بالباب من الكتاب‏.‏ فوجدوا محمد بن عبد الملك، فقال له‏:‏ ما الكلأ‏؟‏ فقال‏:‏ هو العشب على الإطلاق، فإن كان رطباً فهو الخلا، وإذا يبس فهو الحشيش - وشرع في تقسيم أنواع النبات - فعلم المعتصم فضله، فاستوزره وحكمه وبسط يده‏.‏

ومدحه أبو تمام بقصائد‏.‏ ومدحه البحتري بقصيدته الدالية وأحسن في وصف خطه وبلاغته‏.‏

وكان ابن الزيات هجا القاضي ابن أبي دؤاد الإيادي بتسعين بيتاً، فعمل القاضي فيه بيتين وقال‏:‏ السريع

أحسن من تسعين بيتاً سدى *** جمعك معناهن في بيت

ما أحوج الملك إلى مطرة *** تغسل عنه وضر الزيت

وقيل‏:‏ هما لعلي بن الجهم‏.‏

وبعد المعتصم وزر لابنه الواثق هارون، فقال ابن الزيات‏:‏ المنسرح

قد قلت إذا غيبوه وانصرفو *** من خير قبر لخير مدفون

لن يجبر الله أمة فقدت *** مثلك إلا بمثل هارون

وبعد الواثق وزر للمتوكل‏.‏ وكان ابن الزيات يدخل عليه المتوكل أيام المعتصم والواثق، فكان يتجهمه ويحتقره ويستهزئ به، فحقد عليه المتوكل، وبعد أربعين يوماً من ولايته قبض عليه واستصفى أمواله‏.‏

وكان ابن الزيات قد اتخذ تنوراً من حديد، وأطراف مساميره المحدودة إلى داخله، وهي قائمة مثل رؤوس المسال، وكان يعذب فيه أيام وزارته فكيفما انقلب المعذب وتحرك من حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه، وإذا قال له أحد ارحمني أيها الوزير، فيقول له‏:‏ الرحمة خور في الطبيعة‏!‏ فلما اعتقله المتوكل أمر بإدخاله في التنور، وقيده بخمسة عشر رطلاً من حديد‏.‏ فقال له‏:‏ يا أمير المؤمنين ارحمني‏.‏ فقال له‏:‏ الرحمة خور في الطبيعة‏!‏‏!‏ كما كان يقول للناس‏.‏ وكان ذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين‏.‏ وكانت مدة تعذيبه في التنور أربعين يوماً إلى أن مات فيه‏.‏ ووجد مكتوباً بالفحم في جانب التنور‏:‏ مجزوء الكامل‏:‏

من له عهد بنوم *** يرشد الصب إليه

رحم الله رحيم *** دل عيني عليه

سهرت عيني ونامت *** عين من هنت عليه

وأنشد بعده‏:‏ وهو

الشاهد الخامس والسبعون

إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم

على أن يجوز عطف أحد الخبرين على الآخر كما يجوز عطف بعض الأوصاف على بعضها كما هنا‏.‏ قال ابن الهمام‏:‏ وليث الكتيبة وصفان للملك، وقد عطفا على الصفة الأولى، وهي القرم‏.‏

واستشهد به الفراء في معاني القرآن وصاحب الكشاف أيضاً لهذا الأمر‏.‏ وبعده بيت أورده ابن الأنباري في الإنصاف وهو‏:‏

وذا الرأي حين تغم الأمور *** بذات الصليل وذات اللجم

وقال‏:‏ نصب ذا الرأي على المدح ‏.‏ والقرم بفتح القاف‏:‏ السيد‏.‏ والهمام‏:‏ الملك العظيم الهمة، والسيد الشجاع السخي‏.‏ والكتيبة‏:‏ الجيش، وقيل جماعة الخيل إذا أ غارت، من المائة إلى الألف‏.‏ والمزدحم‏:‏ محل الازدحام، يقال ازدحم القوم وتزاحموا أي‏:‏ تضايقوا؛ وأراد به المعركة‏.‏ والغم في الأصل‏:‏ ستر كل شيء، ومنه الغمام لأنه يستر الضوء والشمس، ومنه أيضاً الغم الذي يغم القلب أي‏:‏ يستره ويغشيه‏.‏ وقوله‏:‏ بذات الصليل ، متعلق بالرأي، وهو البيضة‏.‏ يقال‏:‏ صل البيض يصل صليلاً‏:‏ سمع له طنين عند القراع‏.‏ وذات اللجم‏:‏ الخيل، وهو جمع لجام‏.‏ أراد أنه يمدهم بالسلاح والرجال‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو

الشاهد السادس والسبعون

فأما القتال لا قتال لديكم

على أن حذف الفاء الداخلة على خبر المبتدأ الواقع بعد أما ضرورة، فإن القتال مبتدأ وجملة لا قتال لديكم خبره، والرابط العموم الذي في اسم لا‏.‏ قاله ابن إياز في شرح الفصول ‏.‏ ومثله بيت الكتاب لابن ميادة‏:‏

ألا ليت شعري هل إلى أم معمر *** سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا

قال ابن جني في إعراب الحماسة‏:‏ هو بمنزلة قولهم نعم الرجل زيد، وذلك أن الصبر عنها في بعض الصبر لا جميعه؛ وقوله‏:‏ فلا صبر نفي للجنس أجمع فدخل الصبر عنها وهو البعض، في جملة ما نفي من الجنس، كما أن زيداً بعض الرجال‏.‏ فأما البيت الآخر‏:‏

فأما الصدور لا صدور لجعفر *** ولكن أعجازاً شديداً ضريرها

فالثاني هو الأول سواء، وكذلك قول الآخر‏:‏

فأما القتال لا قتال لديكم‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

فالثاني هو الأول، وكلاهما جنس‏.‏ انتهى‏.‏

وهذا المصراع صدر، وعجزه‏:‏

ولكن سيراً في عراض المواكب

لكن اسمها محذوف، وسيراً مفعول مطلق عامله محذوف وهو خبر لكن، أي‏:‏ ولكنكم تسيرون سيراً‏.‏ ويجوز أن يكون سيراً اسم لكن والخبر محذوفاً أي‏:‏ ولكن لكم سيراً‏.‏ وفي عراض متعلق بتسيرون المحذوف، وهو جمع عرض بضم العين وسكون الراء وآخره ضاد معجمة، بمعنى الناحية‏.‏ والمواكب‏:‏ الجماعة ركبان ومشاة، وقيل ركاب الإبل للزينة، من وكب يكب وكوباً‏:‏ مشى في درجان‏.‏ وقبل هذا البيت بيت، وهو‏:‏

فضحتم قريشاً بالفرار وأنتم *** قمدون سوداء عظام المناكب

والقمد بضم القاف وتشديد الدال‏:‏ الطويل، وقيل الطويل العنق الضخمه، من القمد بفتحتين وهو الطول، وقيل ضخامة العنق في طول‏.‏ والوصف أقمد وقمد، والأنثى قمداء وقمدة وقمدانية‏.‏ والسودان أراد به الأشراف، جمع سود وهو جمع أسود، أفعل تفضيل من السيادة‏.‏

والبيتان للحارث بن خالد المخزومي، كذا قال ابن خلف وقال صاحب الأغاني‏:‏ هما مما هجا بهما قديماً بني أسد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس‏.‏ والحارث هو ابن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم‏.‏

قال الزبير بن بكار في أنساب قريش‏:‏ كان الحارث شاعراً كثير الشعر، وهو الذي يقول‏:‏ البسيط

من كان يسأل عنا أين منزلن *** فالأقحوانة منا منزل قمن

إذ نلبس العيش غضاً لا يكدره *** خوف الوشاة ولا ينبو بنا الزمن

والأقحوانة‏:‏ ماء بين بئر ميمون إلى بئر ابن هشام وكان يزيد استعمله على مكة وابن الزبير يومئذ بها، فمنعه ابن الزبير، فلم يزل في داره معتزلاً لابن الزبير حتى ولي عبد الملك بن مروان فولاه مكة ثم عزله، فقدم عليه دمشق فلم ير له عنده ما يحب، فانصرف عنه وقال‏:‏

عطفت عليك النفس حتى كأنم *** بكفيك بؤسي ولديك نعيمها

فما بي إن أقصيتني من ضراعة *** ولا افترقت نفسي إلى من يضيمها

انتهى‏.‏ ومن شعره‏:‏ الكامل

أظلوم إن مصابكم رجل *** أهدى السلام تحية ظلم

وأنشد بعده‏:‏ وهو

الشاهد السابع والسبعون

وقائلة خولان فانكح فتاتهم *** وأكرومة الحيين خلو كما هيا

على أن الفاء في فانكح زائدة عند الأخفش‏.‏ وخولان مبتدأ، وانكح خبره‏.‏ وعند سيبويه غير زائدة، والأصل‏:‏ هذه خولان فانكح فتاتهم‏.‏

قال ابن خلف‏:‏ قال أبو علي‏:‏ من جعل الفاء زائدة أجاز في خولان الرفع والنصب‏.‏ كقولك‏:‏ زيداً فاضربه‏.‏ فإن قلت زيداً فاضرب جاز عند الجميع‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وثيابك فطهر‏}‏‏.‏

ونقل أبو جعفر النحاس عن المبرد أنه قال‏:‏ لو قلت هذا زيداً فاضربه، جاز أن تجعل زيداً عطف بيان وبدلاً، فلو رفعت خولان بالابتداء لم يجز من أجل الفاء، وإنما جاز مع هذا لأن فيها معنى التنبيه والإشارة‏.‏ وقال أبو الحسن‏:‏ ويجوز النصب على الذم‏.‏ انتهى‏.‏

والظاهر أن يقول‏:‏ ويجوز النصب على المدح كما قال غيره‏.‏ فإن المرغب لا يذم‏.‏

وعلى قول س‏:‏ فالفاء إما لعطف الإنشاء على الخبر وهو جائز فيما له محل من الإعراب، وإما لربط جواب شرط محذوف، أي‏:‏ إذا كان كذلك فانكح‏.‏ قال سيبويه‏:‏ قد يحسن ويستقيم أن تقول عبد الله فاضربه، إذا كان الخبر مبنياً على مبتدأ مظهر ومضمر، نحو هذا زيد فاضربه والهلال والله فانظر إليه، وقال السيرافي‏:‏ الجمل كلها يجوز أن تكون أجوبتها بالفاء نحو زيد أبوك فقم إليه، فإن كونه أباه سبب وعلة للقيام إليه، وكذلك الفاء في فانكح يدل على أن وجود هذه القبيلة علة لأن يتزوج منهم ويتقرب إليهم، لحسن نسائها وشرفها‏.‏ وفيه إشارة إلى ترتب الحكم على الوصف‏.‏

وأورده صاحب الكشاف عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده‏}‏، قال إن رب خبر مبتدأ، أي‏:‏ هو رب السماوات كما في خولان بالرفع، أي‏:‏ هؤلاء خولان‏.‏ وخولان حي باليمن‏.‏ وروى‏:‏ فانكح فتاتهم لأنه أراد القبيلة‏.‏ وجملتا هذه خولان فانكح فتاتهم ، في محل نصب على أنها مقول القول، وإنما عمل فيها النصب وهو قائله لاعتماده على الموصوف المقدر، أي‏:‏ رب امرأة قائلة‏.‏ وبه يدفع ما يرد عليه من أن مجرور رب غير موصوف بشيء مع أن وصفه واجب، فإن المجرور هو الوصف، والموصوف محذوف‏.‏ وتقول‏:‏ الصفة محذوفة، أي‏:‏ رب قائلة قالت لي‏.‏ لكن يرد عليه أن ما بعد رب يلزمه المضي، والوصف هنا مستقبل بدليل إعماله‏.‏ ويدفع أيضاً بأنه أراد حكاية الحال الماضية، بدليل أن المعنى‏:‏ قد قيل لي ذلك فيما مضى، وليس المراد أنه يقال لي هذا فيما يستقبل‏.‏ وأنه ماض وعمل على مذهب الكسائي‏.‏

قال ابن هشام في المغني‏:‏ وسمع أعرابي يقول بعد انقضاء رمضان‏:‏ رب صائمه لن يصومه، ويا رب قائمه لن يقومه‏:‏ وهو مما تمسك به الكسائي على إعمال اسم الفاعل المجرد بمعنى الماضي‏.‏ ورب هنا للتكثير، وهي حرف جر لا يتعلق بشيء، والفعل المعدى محذوف، أي‏:‏ رب قائلة هذا القول أدركتها ورأيتها، فمجرور رب جاء في محل رفع على الابتداء، وفي محل نصب على المفعولية على شريطة التفسير‏.‏ وإن قدرت أدركت فحمله نصب لا غير‏.‏ وقوله وأكرومة الحيين خلو الأكرومة‏:‏ فعل الكرم، مصدر بمعنى اسم المفعول أي‏:‏ ومكرمة الحيين‏.‏ وأراد بالحيين حي أبيها وحي أمها‏.‏ والخلو بكسر الخاء المعجمة‏:‏ التي لا زوج لها‏.‏ وهذه الجملة الظاهر أنها في محل نصب على الحال، والمعنى‏:‏ رب قائلة قالت لي هؤلاء خولان فانكح فتاتها‏.‏ فقلت‏:‏ كيف أنكحها وأكرومة الحيين خالية عن الزوج‏؟‏ قيل‏:‏ ويجوز أن الجملة من تمام قول القائلة‏.‏ ولا يخفى أنه لو كان كذلك لكان الوجه أن يقال فأكرومة الحيين، بالفاء‏.‏ فتأمل‏.‏ وقوله كما هيا صفة لخلو، وفيه فعل محذوف أي‏:‏ كما كانت خلواً، فلما حذفت كان برز الضمير، وما مصدرية في الجميع، ويجوز أيضاً أن يكون هي مبتدأ وخبره محذوف وما موصولة، أي‏:‏ كالحالة التي هي عليها فيما عهدته‏.‏ والكاف بمعنى على، ويحتمل أن ما زائدة فيكون ضمير الرفع قد استعير في موضع الضمير المجرور‏.‏ والمعنى أنها خلو الآن كهي فيما مضى، والكاف للتشبيه‏.‏ ويحتمل أيضاً أنها كافة وهي مبتدأ خبره محذوف، أي‏:‏ هي عليه‏.‏ وقد جوزوا هذه الوجوه إلا المصدرية في قولهم‏:‏ كن كما أنت، نقلها ابن هشام في المغني في الكاف وزاد عليها‏.‏

وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها ناظم‏.‏ والله أعلم‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو

الشاهد الثامن والسبعون

وهو من شواهد جمل الزجاجي‏:‏

إن من يدخل الكنيسة يوم *** يلق فيها جآذراً وظباء

على أن اسم إن ضمير شأن، والجملة الشرطية بعدها خبرها؛ وإنما لم يجعل من اسمها لأنها شرطية، بدليل جزمها الفعلين، والشرط له الصدر في جملته فلا يعمل فيه ما قبله‏.‏

قال ابن السيد في شرح أبيات الجمل‏:‏ هذا البيت للأخطل‏:‏ هذا البيت للأخطل وكان نصرانياً، فلذلك ذكر الكنيسة ‏.‏

وقال ابن هشام اللخمي في شرحه‏:‏ لم أجده في ديوان الأخطل ‏.‏

أقول‏:‏ قد فتشت ديوان الأخطل من رواية السكري فلم أظفر به فيه؛ ولعله ثابت في رواية أخرى‏.‏ ونسبه السيوطي في شواهد المغنيإلى الأخطل وقال‏:‏ وبعده‏:‏

مالت النفس بعدها إذ رأته *** فهي ريح وصار جسمي هباء

ليت كانت كنيسة الروم إذ ذ *** ك علينا قطيفة وخباء

الكنيسة هنا‏:‏ متعبد النصارى، وأصله متعبد اليهود، معرب كنشت بالفارسية‏.‏ والجآذر‏:‏ جمع جؤذر، وهو ولد البقرة بضم الذال المعجمة؛ وحكى الكوفيون فتحها أيضاً، وسردوا ألفاظاً كثيرة على فعلل بضم الأول وفتح الثالث، منها جؤذر وبرقع وطحلب وجخدب وضفدع، والبصريون لا يعرفون فيها إلا ضم الثالث‏.‏ والظباء‏:‏ الغزلان، الواحد ظبية‏.‏ يقول‏:‏ من يدخل الكنيسة يلق فيها أشباه الجآذر من أولاد النصارى، وأشباه الظباء من نسائهم‏.‏ فكنى عن الصبيان بالجآذر، وعن النساء بالظباء‏.‏

وقال اللخمي‏:‏ ويحتمل أن يريد الصور التي يصورونها فيها، لأن كنائس الروم قل أن تخلو من الصور شبيهة بالجآذر والغزلان‏.‏ قال عمر بن أبي ربيعة‏:‏ الخفيف

دمية عند راهب ذي اجتهاد *** صوروها بجانب المحراب

ويعني ب الدمية‏:‏ الصورة‏.‏ والهباء‏:‏ الغبار الرقيق‏.‏ والقطيفة‏:‏ كساء ذو حمل‏.‏ والأخطل هذا هو التغلبي الشاعر المشهور، من الأراقم، واسمه غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة‏.‏

وأنهى نسبته الآمدي في المؤتلف والمختلف إلى تغلب‏.‏

قال ابن قتيبة في أدب الكاتب‏:‏ وسمي الأخطل من الخطل، وهو استرخاء الأذنين ومنه قيل لكلاب الصيد خطل ‏.‏ قال شارحه ابن السيد‏:‏ لا أعلم أحداً ذكر أن الأخطل كان طويل الأذنين مسترخيهما؛ والمعروف أن لقب الأخطل لبذاءته وسلاطة لسانه، وذلك أن ابني جعيل احتكما إليه مع أمهما فقال‏:‏ الوافر

لعمرك إنني وابني جعيل *** وأمهما لإستار لئيم

فقيل‏:‏ إنه لأخطل‏!‏ فلزمه هذا اللقب - والإسنار معرب جهار، وهو أربعة من العدد بالفارسية‏.‏

وقال بعض الرواة، وحكى نحو ذلك أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني‏:‏ إن السبب في تلقيبه بالأخطل أن كعب بن جعيل كان شاعر تغلب في وقته، وكان لا يلم برهط منهم إلا أكرموه وأعطوه، فنزل على رهط الأخطل فأكرموه، وجمعوا له غنماً وحظروا عليها حظيرة؛ فجاء الأخطل فأخرجها من الحظيرة وفرقها، فخرج كعب وشتمه، واستعان بقوم من تغلب فجمعوها له وردوها إلى الحظيرة، فارتقب الأخطل غفلته ففرقها ثانية، فغضب كعب وقال‏:‏ كفوا عني هذا الغلام وإلا هجوتكم‏!‏ فقال له الأخطل‏:‏ إن هجوتنا هجوناك - وكان الأخطل يومئذ يقرزم‏.‏ والقرزمة‏:‏ أن يقول الشعر في أول أمره قبل أن يستحكم طبعه وتقوى قريحته - فقال كعب‏:‏ ومن يهجوني‏؟‏ فقال‏:‏ أنا‏!‏ فقال كعب‏:‏

ويل لهذا الوجه غب الحمه

فقال الأخطل‏:‏

فناك كعب بن جعيل أمه

فقال كعب‏:‏ إن غلامكم هذا لأخطل‏.‏ ولج الهجاء بينهما فقال الأخطل‏:‏ المتقارب

سميت كعباً بشر العظام *** وكان أبوك يسمى الجعل

وأنت مكانك من وائل *** مكان القراد من است الجمل

ففزع كعب وقال‏:‏ والله لقد هجوت نفسي بهذين البيتين، وعلمت أن سأهجى بهما‏.‏ وقيل‏:‏ بل قال‏:‏ ويقال هجوت نفسي بالبيت الأول من هذين البيتين وقيل إن الأخطل اسمه غويث ويكنى أبا مالك ويلقب دوبلاً إيضاً والدوبل الحمار القصير الذنب إن جريراً هو الذي لقبه بذلك بقوله‏:‏

بكى دوبل ولا يرقى الله دمعه *** ألا إنما يبكي من الذل دوبل

ومات على نصرانيته، وكان مقدماً عند خلفاء بني أمية، لمدحه لهم وانقطاعه إليهم‏.‏ ومدح معاوية وابنه يزيد؛ وهجا الأنصار رضي الله عنهم بسببه، فلعنه الله وأخزاه وخذله‏.‏

وعمر عمراً طويلاً إلى أن ذهب إلى النار وبئس القرار‏.‏

قال ابن رشيق في العمدة‏:‏ ومن الفحول المتأخرين الأخطل‏.‏‏.‏ وبلغت به الحال في الشعر إلى أن نادم عبد الملك بن مروان وأركبه ظهر جرير بن عطية الشاعر وهو مسلم تقي، وقيل‏:‏ أمره بذلك عبد الملك بسبب شعر فاخره فيه بين يديه‏.‏ وطول لسانه حتى قال مجاهراً لعنة الله عليه - لا يستتر في الطعن على الدين والاستخفاف بالمسلمين -‏:‏ الوافر

ولست بصائم رمضان طوع *** ولست بآكل لحم الأضاحي

ولست بزاجر عنساً بكور *** إلى بطحاء مكة للنجاح

ولست منادياً أبداً بليل *** كمثل العير‏:‏ حي على الفلاح

ولكني سأشربها شمول *** وأسجد عند منبلج الصباح

وقد رد على جرير أقبح رد، وتناول من أعراض المسلمين وقبائل العرب وأشرافهم ما لا ينجو من مثله علوي فضلاً عن نصراني‏.‏

وعد الآمدي في المؤتلف والمختلف‏:‏ من لقب الأخطل أربعة‏:‏ أحدهم هذا‏.‏ والثاني الأخطل الضبعي، كان شاعراً وادعى النبوة، وكان يقول‏:‏ لمضر صدر النبوة ولنا عجزها‏.‏ فأخذه ابن هبيرة في دولة الأمويين فقال‏:‏ ألست القائل‏:‏

لنا شطر هذا الأمر قسمة عادل *** متى جعل الله الرسالة ترتبا

أي‏:‏ راتبة دائمة في واحد‏.‏ قال‏:‏ وأنا القائل‏:‏

ومن عجب الأيام أنك حاكم *** علي وأني في يديك أسير

قال‏:‏ أنشدني شعرك في الدجال ، قال‏:‏ اغرب ويلك‏!‏ فأمر به فضربت عنقه‏.‏ والثالث الأخطل المجاشعي وهو الأخطل بن غالب أخو الفرزدق، وكان شاعراً، وإنما كسفه الفرزدق فذهب شعره‏.‏ والرابع الأخطل بن حماد بن الأخطل بن ربيعة بن النمر بن تولب‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة

تقدم شرحه في الشاهد التاسع والأربعين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو

الشاهد التاسع والسبعون

قالت أمامة لما جئت زائره *** هلا رميت ببعض الأسهم السود

لا در درك إني قد رميتهم *** لولا حددت ولا عذرى لمحدود

على أنه ربما دخلت لولا على الفعلية كما هنا، أي‏:‏ لولا الحد وهو الحرمان‏.‏ وهذا البيت يرد مذهب الفراء القائل بأن ما بعد لولا مرفوع بها؛ فلو كانت عاملة للرفع لذكر بعدها هنا مرفوع، فوجب كونها غير عاملة لعدم مرفوع‏.‏

وهذا الذي نسبه الشارح المحقق إلى الفراء نسبه ابن الأنباري في الإنصاف وابن الشجري في أماليه إلى الكوفيين‏.‏ وذهب ابن الأنباري إلى صحة مذهبهم وقال‏:‏ الصحيح ما ذهب إليه الكوفيين من أن لولا نائبة عن الفعل الذي لو ظهر لرفع الاسم، فإن التقدير في لولا زيد لأكرمتك‏:‏ لو لم يمنعني زيد من إكرامك لأكرمتك، إلا أنهم حذفوا الفعل تخفيفاً وزادوا لا على لو فصار بمنزلة حرف واحد‏.‏ وأجاب عن البيت بأن لولا هنا هي لو الامتناعية ولا معها بمعنى لم ، لأن لا مع الماضي بمنزلة لم مع المستقبل، فكأنه قال‏:‏ قد رميتهم لو لم أحد، وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا اقتحم العقبة‏}‏، أي‏:‏ لم يقتحمها‏.‏

وقال يوسف ابن السيرافي في شرح شواهد الغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام‏:‏ لولا لا يقع بعدها إلا الأسماء، وتكون مبتدأة وتحذف أخبارها وجوباً، وتقع بعدها أن المفتوحة المشددة، وهي واسمها وخبرها في تقدير اسم واحد‏.‏ فلما اضطر الشاعر حذف أن واسمها، أي‏:‏ لولا أني حددت، يقول‏:‏ لولا أني حددت لقتلت القوم‏.‏ وهذا قبيح لأنه يجري مجرى حذف الموصول وإبقاء الصلة‏.‏ ويجوز أن يكون شبه لولا بلو فأولاها الفعل، وشبه أن الشديدة بأن الخفيفة، فأن الخفيفة قد تحذف كقوله‏:‏

ألا أيهذا الزاجر أحضر الوغى

فلما استجازوا حذفها، حذفوا الثقيلة، لأنهما حرفا مصدر‏.‏

وهذا الشعر للجموح، أحد بني ظفر بن سليم بن منصور‏.‏ وبعدهما بيتان آخران وهم‏:‏ البسيط

إذ هم كرجل الدبى لا در درهم *** يغزون كل طوال المشي ممدود

فما تركت أبا بشر وصاحبه *** حتى أحاط صريح الموت بالجيد

وروى هذه الأبيات الأربعة أبو تمام في كتابه مختار أشعار القبائل لراشد بن عبد الله السلمي، ونسبها ابن السيرافي وابن الشجري للجموح كما ذكرنا‏.‏

وقال ابن السيرافي‏:‏ كان من خبر الجموح الظفري أنه بيت بني لحيان وبني سهم ابن هذيل، بواد يقال له ذات البشام، وكان الجموح قد جمع جمعاً من بني سليم وفيهم رجل يقودهم معه يكنى بأبي بشر، فتحالف الجموح وأبو بشر على الموت، وكان في كنانة الجموح نبل معلمة بسواد، حلف ليرمين بها جمع قبل رجعته في عدوه‏.‏ فقتل أبو بشر وهزم أصحابه وأصابتهم بنو لحيان تلك الليلة، وأعجز الجموح‏.‏

فقالت له امرأته وهي تلومه‏:‏ هلا رميت تلك النبل التي كنت آليت لترمين بها‏!‏ وأمامة‏:‏ زوجته‏.‏ وروى‏:‏ لما جئت طارقها ‏.‏ وروى‏:‏ هلا رميت بباقي الأسهم الأسود ‏.‏

قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات‏:‏ وتتخذ السهام من القنا، وقلما يرغب فيها أهل البوادي، لأنها خفاف وإن كان مداها أبعد؛ وقداح أهل البوادي غلاظ ثقال عراض الحدائد فهي قوية، إذا نشبت في الصيد فعضها لم تنكسر وكانت جراحاتها واسعة، لأنهم أصحاب صيد وحروب‏.‏ وسهام القنا سود الألوان، وإياها عنى الشاعر بقوله‏:‏

هلا رميت ببعض الأسهم السود

وقوله لا در درك أي‏:‏ فقلت لها‏:‏ لا كان فيك خير ولا أتيت بخير، يدعو عليها؛ والكاف المكسورة‏.‏ وحددت بالبناء للمفعول حرمت ومنعت‏.‏

قال ابن الأنباري في شرح المفضليات‏:‏ يقال حددته حداً‏:‏ إذا منعته‏.‏ وقد حد الرجل عن الرزق إذا منع منه، وهو محدود‏.‏ وأنشد هذا البيت‏.‏ يقول‏:‏ قد رميت واجتهدت في قتالهم ولكني حرمت النصر عليهم، ولا يقبل عذر المحروم‏.‏ وروى لا در كسبك ‏.‏

وروى أبو تمام‏:‏ لله درك فيكون دعاء لها‏.‏ والعذرى بضم العين والقصر‏:‏ اسم بمعنى المعذرة، قال في الصحاح‏:‏ عذرته فيما صنع أعذره عذراً وعذراً،والاسم المعذرة والعذرة ‏.‏ وأنشد هذا البيت‏.‏

والرجل بكسر الراء وسكون الجيم‏:‏ القطعة العظيمة من الجراد‏.‏ والدبى بفتح الدال وبالموحدة وبالقصر‏:‏ أصغر الجراد‏.‏ والطوال كغراب‏:‏ الطويل‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو

الشاهد الثمانون‏:‏ وما ليل المطي بنائم

أصله‏:‏

لقد لمتنا يا أم غيلان بالسرى *** ونمت، وما ليل المطي بنائم

على أن الزمان يسند إليه كثيراً ما يقع فيه، فإن النوم يقع في الليل، وقد أسند إليه مجازاً عقلياً، كقول روبة‏:‏ الرجز

فنام ليلي وتجلى همي

فإن قلت‏:‏ إن الشاعر قد نفى النوم عن الليل، فكيف ذلك مع قول الشارح بأن النوم قد أسند إلى الليل‏؟‏ قلت‏:‏ النفي فرع الإثبات‏.‏

وقد أورده سيبويه على أن وصف الليل بأنه غير نائم على طريق الاتساع، والليل لا ينام ولا يوصف بأنه غير نائم؛ لأنه ليس من الحيوان، وكان حقه بمنوم فيه‏.‏ وأراد‏:‏ وما ليل أصحاب المطي، فحذف‏.‏ وأراد بأصحاب المطي من يركب ويسافر، فلا ينبغي أن ينام من أول الليل إلى آخره‏.‏ وأم غيلان قال ابن خلف‏:‏ هي بنت جرير‏.‏ يقول‏:‏ لمتنا في تركنا النوم واشتغالنا بالسرى‏.‏ والمطي‏:‏ جمع مطية، وهي الراحلة التي يمتطى ظهرها أي‏:‏ يركب‏.‏ والسرى‏:‏ سير الليل‏.‏

وهذا البيت من قصيدة لجرير يرد بها على الفرزدق‏.‏ مطلعها‏:‏

لا خير في مستعجلات الملاوم *** ولا في حبيب وصله غير دائم

تركت الصبا من رهبة أن يهيجني *** بتوضح رسم المنزل المتقادم

وقال صحابي‏:‏ ماله‏؟‏ قلت‏:‏ حاجة *** تهيج صدوع القلب بين الحيازم

تقول لنا سلمى‏:‏ من القوم أن رأت *** وجوهاً عتاقاً لوحت بالسمائم

لقد لمتنا يا أم غيلان بالسرى ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

والملاوم‏:‏ جمع ملامة‏.‏ والمستعجلات بكسر الجيم‏.‏ والحيازم‏:‏ جمع حيزوم وهو وسط الصدر‏.‏ وقوله‏:‏ من القوم ، بالاستفهام‏.‏ وأن رأت ، بفتح همزة أن‏.‏ ولوحت ، بالبناء للمفعول‏:‏ مبالغة لاحه السفر أي‏:‏ غيره‏.‏ والسمائم‏:‏ جمع سموم، وهي الريح الحارة، مؤنثة‏.‏ وقوله‏:‏ لقد لمتنا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ أي‏:‏ قلت لنا‏.‏

وترجمة جرير قد تقدمت في الشاهد الرابع‏.‏

اسم ما ولا المشبهين بليس

أنشد فيه، وهو

الشاهد الحادي والثمانون‏:‏

من صد عن نيرانه *** فأنا ابن قيس لا براح

على أن لا تعمل عمل ليس شذوذاً‏.‏

أنشده سيبويه أيضاً على إجراء لا مجرى ليس في بعض اللغات‏.‏ فبراح اسمها والخبر محذوف أي‏:‏ لي‏.‏ قال ابن خلف‏:‏ ويجوز رفع براح بالابتداء، على أن الأحسن حينئذ تكرير لا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏‏.‏

وقال المبرد، كما نقله النحاس‏:‏ لا أرى بأساً أن تقول لا رجل في الدار في غير ضرورة، وكذا لا زيد في الدار ، في جواب هل زيد في الدار ‏؟‏ وقوله فأنا ابن قيس ، أي‏:‏ أنا المشهور في النجدة كما سمعت‏.‏ وأضاف نفسه إلى جده الأعلى لشهرته به‏.‏ وجملة لا براح لي حال مؤكدة لقوله‏:‏ أنا ابن قيس، كأنه قال‏:‏ أنا ابن قيس ثابتاً في الحرب‏.‏ وإتيان الحال بعد أنا ابن فلان كثير، كقوله‏:‏ البسيط

أنا ابن دارة مشهوراً بها نسبي

وقيل‏:‏ الجملة في محل رفع خبر بعد خبر‏.‏ وقيل تقرير للجملة التي قبلها‏.‏ ويجوز نصب ابن قيس على الاختصاص فيتعين جملة لا براح لي كونها خبراً لأنا وهو أفخر وأمدح‏.‏ قال الإمام المرزوقي في قوله‏:‏ البسيط

إنا بني نهشل لا ندعي لأب

الفرق بين أن تنصب بني نهشل على الاختصاص وبين أن ترفع على الخبرية، هو أنه لو جعله خبراً لكان قصده تعريف نفسه عند المخاطب، وكان فعله لذلك لا يخلو عن خمول فيهم، وجهل من المخاطب بشأنهم؛ وإذا نصب أمن من ذلك‏.‏ فقال مفتخراً‏:‏ أنا أذكره من لا يخفى شأنه، لأنه يفعل كذا وكذا‏!‏ ‏.‏ والبراح بفتح الموحدة‏:‏ مصدر برح الشيء براحاً من باب تعب‏:‏ إذا زال من مكانه‏.‏

وهذا البيت من قصيدة مذكورة في الحماسة هي خمسة عشر بيتاً لسعد بن مالك، وأوله‏:‏ مجزوء الكامل

يا بؤس للحرب التي *** وضعت أراهط فاستراحوا

وهو من أبيات مغني اللبيب، أورده على أن الأصل‏:‏ يا بؤس الحرب، فأقحمت اللام بين المتضايفين تقوية للاختصاص؛ ثم قال‏:‏ وهل انجرار ما بعدها به وبالمضاف‏؟‏ قولان‏:‏ أرجحهما الأول، لأن الجار أقرب ولأنه لا يعلق ‏.‏

وفي أمالي ابن الشجري‏:‏ قال المبرد‏:‏ من قال يا بؤساً لزيد جعل النداء بمعنى الدعاء على المذكور؛ ومثله‏:‏ يا بؤس للحرب‏.‏‏.‏ البيت ، كأنه دعاء على الحرب، وأراد يا بؤس الحرب فزاد اللام‏.‏

ويجوز عندي أن يكون من قبيل الشبيه بالمضاف نحو‏:‏ لا مانع لما أعطيت؛ ولم أر من جوزه فيه‏.‏ ويجوز أن يكون المنادى محذوف وبؤس منصوباً على الذم واللام مقحمة، وحذف التنوين للضرورة، أي‏:‏ يا قوم أذم شدة الحرب‏.‏

ومعنى وضعت أراهط‏:‏ حطتهم وأسقطتهم، فلم يكن لهم ذكر شرف في هذه الحرب، فاستراحوا من مكابدتها كالنساء؛ وفيه حذف مضاف أي‏:‏ وضعت ذكر أراهط، وهو جمع أرهط جمع رهط‏:‏ وهو النفر من ثلاثة إلى عشرة، وقد جاء أرهط مستعملاً، قال رؤبة‏:‏ الرجز

وهو الذليل نفراً في أرهطه

وزعم أكثر النحويين أن أراهط جمع رهط على خلاف القياس‏.‏ وروى برفع أراهط فالمفعول محذوف، أي‏:‏ وضعتها أراهط؛ والأول أنسب، فإن هذا الشعر قاله سعد في حرب البسوس حين هاجت الحرب بين بكر وتغلب لقتل كليب، واعتزل الحارث بن عباد وقال‏:‏ هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل‏!‏ فعرض سعد في هذا الشعر بقعود الحارث بن عباد عن الحرب، كما يأتي بيانه‏.‏ وزعم الدماميني في الحاشية الهندية‏:‏ أن الوضع هنا معناه الإهلاك؛ وذلك لعدم وقوفه على منشأ هذا الشعر‏.‏

وبعد هذا البيت‏:‏

والحرب لا يبقى لج *** حمها التخيل والمراح

إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح

وهما من أبيات سيبويه، أوردهما على أن الفتى وما بعده بدل من التخيل والمراح على الاتساع والمجاز‏.‏ ولذلك أوردهما الشارح أيضاً في باب المستثنى، وذلك أنه استثناء منقطع كقولك‏:‏ ما فيها أحد إلا حمار، فرفع على لغة بني تميم‏.‏ ولا يخفى أن هذا البدل ليس بدل بعض كما هو شأنه، ولهذا قال سيبويه‏:‏ على الاتساع والمجاز‏.‏

ثم أقول‏:‏ هذا بناء على الظاهر، وإن اعتبر حذف مضاف أي‏:‏ ذو التخيل فالاستثناء متصل، ويختار فيه الإبدال‏.‏

والجاحم بتقديم الجيم على الحاء المهملة‏:‏ المكان الشديد الحر، من جحمت النار فهي جاحمة‏:‏ إذا اضطرمت، ومنه الجحيم‏.‏ والتخيل‏:‏ التكبر، من الخيلاء‏.‏ يقول‏:‏ إنها تزيل نخوة المنخو، وذلك أن أولي الغناء يتكرمون عن الخيلاء، ويختال المتشبع فإذا جرب فلم يحمد افتضح وسقط‏.‏ والمراح بكسر الميم‏:‏ النشاط، أي‏:‏ إنها تكف حدة البطر النشيط‏.‏ وهذا تعريض بالحارث بن عباد بأنه صاحب خيلاء ومراح‏.‏ والصبار‏:‏ مبالغة صابر‏.‏ والنجدة‏:‏ الشدة والبأس في الحرب‏.‏ والوقاح بفتح الواو‏:‏ الفرس الذي حافره صلب شديد؛ ومنه الوقاحة‏.‏

وقال بعدهما بأبيات‏:‏

بئس الخلائف بعدن *** أولاد يشكر واللقاح

من صد عن نيرانه ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

الموت غايتنا فل *** قصر ولا عنه جماح

وكأنما ورد المني *** ة عندنا ماء وراح

وهذا آخر القصيدة‏.‏ أي‏:‏ إذا ذهبنا وبقيت يشكر وحنيفة فبئس الخلائف هم منا‏:‏ لا يحمون حريماً، ولا يأبون ضيماً‏.‏ وكانت حنيفة تلقب‏:‏ اللقاح، لأنهم لم يدينوا الملك، يقال حي لقاح بفتح اللام، إذا لم يكن في طاعة ملك‏.‏ وقال بعض شراح الحماسة‏:‏ إنه بكسر اللام، جمع لقحه، أي‏:‏ إذا خلفنا من لا دفاع به من الرجال والأموال فبئس الخلائف بعدنا - جعل أولاد يشكر كاللقاح، وهب الإبل التي بها لبن، في احتياجها إلى من يذب عنها - وهذا ليس بالوجه، وإنما مراده ذم الحيين لقعودهما عن بكر في حربهم‏.‏ والقصر بسكون الصاد‏:‏ الحبس‏.‏ والجماح بكسر الجيم‏:‏ مصدر جمح إذا انفلت وهرب‏.‏ يريد‏:‏ لا يمكن حبس نفس عن الموت، ولا مهرب عنه‏.‏ والورد‏:‏ الورود، وهو دخول الماء، وقيل حضوره وإن لم تدخله‏.‏

وهذه القصيدة قالها سعد يعرض بالحارث بن عباد لقعوده عن الحرب، وذلك‏:‏ أن جساساً البكري لما قتل كليباً التغلبي هاجت الحرب بين بكر وتغلب ابني وائل‏.‏ وهي حرب البسوس‏:‏ واعتزلهما الحارث بن عباد عن هذه الحرب فعرض به سعد كما قلنا‏.‏

قال أبو رياش في شرح الحماسة‏:‏ كان الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس ابن ثعلبة من حكام ربيعة وفرسانها المعدودين‏.‏ وكان اعتزل حرب بني وائل وتنحى بأهله وولده وولد إخوته وأقاربه؛ وحل وتر قوسه ونزع سنان رمحه، ولم يزل معتزلاً حتى إذا كان في آخر وقائعهم خرج ابن أخيه بجير بن عمرو بن عباد في أثر إبل له ندت يطلبها، فعرض له مهلهل في جماعة يطلبون غرة بكر بن وائل؛ فقال لمهلهل امرؤ القيس بن أبان بن كعب بن زهير بن جشم، وكان من أشراف بني تغلب وكان على مقدمتهم زماناً طويلاً‏:‏ لا تفعل‏!‏ فوالله لئن قتلته ليقتلن به منكم كبش لا يسأل عن خاله‏:‏ من هو‏؟‏ وإياك أن تحقر البغي فإن عاقبته وخيمة؛ وقد اعتزلنا عمه وأبوه وأهل بيته وقومه‏.‏

فأبى مهلهل إلا قتله، فطعنه بالرمح وقتله وقال‏:‏ بؤ بشسع نعل كليب ‏!‏ - يقال‏:‏ أبأت فلاناً بفلان فباء به‏:‏ إذا قتلته به، ولا يكاد يستعمل هذا إلا والثاني كفء للأول - فبلغ فعل مهلهل عم بجير وكان من أحلم أهل زمانه وأشدهم بأساً، فقال الحارث‏:‏ نعم القتيل قتيل أصلح بين ابني وائل‏!‏ فقيل له‏:‏ إنما قتل بشسع نعل كليب‏.‏ فلم يقبل ذلك، وأرسل الحارث إلى مهلهل‏:‏ إن كنت قتلت بجيراً بكليب وانقطعت الحرب بينكم وبين إخوانكم فقد طابت نفسي بذلك‏.‏ فأرسل إليه مهلهل‏:‏ إنما قتلته بشسع نعل كليب‏!‏ فغضب الحارث ودعا بفرسه - وكانت تسمى النعامة - فجز ناصيتها وهلب ذنبها، وهو أول من فعل ذلك بالخيل، وقال‏:‏

قربا مربط النعامة مني *** لقحت حرب وائل عن حيال

لا بجير أغنى قتيلاً ولا ره *** ط كليب تزاجروا عن ضلال

لم أكن من جناتها، علم *** الله وإني لجمرها اليوم صالي

قربا مربط النعامة مني *** إن قتل الغلام بالشسع غالي

ولقحت‏:‏ حملت‏.‏ والحيال‏:‏ أن يضرب الفحل الناقة فلا تحمل‏.‏ وهذا مثل ضربه؛ لأن الناقة إذا حالت وضربها الفحل كان أسرع للقاحها، وإنما يعظم أمر الحرب لما تولد منها من الأمور التي لم تكن تحتسب‏.‏

ثم ارتحل الحارث مع قومه حتى نزل مع جماعة بكر بن وائل، وعليهم يومئذ الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة، فقال الحارث بن عباد له‏:‏ إن القوم مستقلون قومك، وذلك زادهم جراءة عليكم، فقاتلهم بالنساء‏!‏ قال له الحارث بن همام‏:‏ وكيف قتال النساء‏؟‏ قال‏:‏ قلد كل امرأة إدواة من ماء، وأعطها هراوة؛ واجعل جمعهن من ورائكم فإن ذلك يزيدكم اجتهاداً؛ وعلموا بعلامات يعرفنها‏:‏ فإذا مرت امرأة على صريع منكم عرفته بعلامته فسقته من الماء ونعشته، وإذا مرت على رجل من غيركم ضربته بالهراوة فقتلته وأتت عليه‏.‏ فأطاعوه؛ وحلقت بنو بكر يومئذ رؤوسها استبسالاً للموت، وجعلوا ذلك علامة بينهم وبين نسائهم؛ واقتتل الفرسان قتالاً شديداً، وانهزمت بنو تغلب ولحقت بالظعن بقية يومها وليلتها، واتبعهم سرعان بكر بن وائل، وتخلف الحارث بن عباد، فقال لسعد بن مالك القائل‏:‏

يا بؤس للحرب التي *** وضعت أراهط فاستراحوا

أتراني ممن وضعته‏؟‏ قال‏:‏ لا، ولكن لا مخبأ لعطر بعد عروس‏.‏ ومعناه‏:‏ إن لم تنصر قومك الآن فلن تدخر نصرك‏؟‏‏!‏ وسعد هو سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل‏.‏ قال الآمدي في المؤتلف والمختلف‏:‏ كان سعد هذا أحد سادات بكر بن وائل وفرسانها في الجاهلية‏.‏ وكان شاعراً‏.‏ وله أشعار جياد في كتاب بني قيس بن ثعلبة‏.‏

قال‏:‏ وشاعر آخر اسمه سعد بن مالك بن الأقيصر القريعي أحد بني قريع بن سلامان بن مفرج‏.‏ وكان فارساً شاعراً‏.‏

المنصوبات

أنشد في‏:‏ المفعول المطلق

الشاهد الثاني والثمانون

هذا سراقة للقرآن يدرسه *** والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب

على أن الضمير في يدرسه راجع إلى مضمون يدرس، أي‏:‏ يدرس الدرس، فيكون راجعاً للمصدر المدلول عليه بالفعل؛ وإنما لم يجز عوده للقرآن لئلا يلزم تعدي العامل إلى الضمير وظاهره معاً‏.‏

واستشهد به أبو حيان في شرح التسهيل على أن ضمير المصدر قد يجيء مراداً به التأكيد، وأن ذلك لايختص بالمصدر الظاهر على الصحيح‏.‏

وأورده سيبويه على أن تقديره عنده‏:‏ والمرء عند الرشا ذئبٌ إن يلقها‏.‏

وتقديره عند المبرد‏:‏ إن يلقها فهو ذئب‏.‏

وهذا من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يقف على قائلها أحد‏.‏ قال الأعلم‏:‏ هجا هذا الشاعر رجلاً من القراء نسب إليه الرياء‏.‏ وقبول الرشا‏.‏ والحرص عليها وكذلك أورده ابن السراج في الأصول‏.‏

وزعم الدماميني في الحاشية الهندية‏:‏ أن هذا البيت من المدح لا من الهجاء، وظن أن سراقة هو سراقة بن جعشم الصحابي - مع أنه في البيت غير معلوم من هو - فيه تحريفات ثلاثة‏:‏ الأول‏:‏ أن الرشا بضم الراء والقصر‏:‏ جمع رشوة؛ فقال‏:‏ هو بكسر الراء مع المد‏:‏ الحبل، وقصره للضرورة وأنثه على معنى الآلة‏.‏ وكلامه هذا على حد‏:‏ زناه وحده‏.‏

والثاني‏:‏ أن قوله يلقها بفتح الياء من اللقي، وهو ضبطه بضم الياء من الإلقاء‏.‏

والثالث‏:‏ أن قوله ذيب بكسر الذال وبالهمزة المبدلة ياء وهو الحيوان المعروف؛ وهو صحفه ذنباً بفتح الذال والنون، وقال‏:‏ قوله عند الرشا متعلق بذنب لما فيه من معنى التأخر‏.‏

والمعنى‏:‏ إن يلق إنسان الرشا فهو متأخر عند إلقائها، يريد أن سراقة درس القرآن فتقدم والمرء متأخر عند اشتغاله بما لا يهم كمن امتهن نفسه في السقي وإلقاء الأرشية في الآبار‏.‏

هذا كلامه؛ وتبعه فيه الشمني فاعتبروا يا أولي الأبصار ‏!‏ وأنشد بعده‏:‏ وهو الشاهد الثالث والثمانون

دار لسعدى إذه من هواكا

على أن المصدر بمعنى اسم المفعول، أي‏:‏ من مهويك‏.‏

وبهذا المعنى أورده أيضاً في باب المصدر، فإن الهوى بالقصر مصدر هويته من باب تعب‏:‏ إذا أحببته وعلقت به‏.‏

وأنشده أيضاً في باب الضمير على أن الياء قد تحذف ضرورة من هي إذ أصله إذ هي من هواكا‏.‏ ولهذا الوجه أورده سيبويه؛ قال الأعلم‏:‏ سكن الياء أولاً ضرورةً ثم حذفها ضرورة أخرى بعد الإسكان تشبيهاً لها بعد سكونها بالياء اللاحقة في ضمير الغائب إذا سكن ما قبله، والواو اللاحقة له في هذه الحال نحو عليه ولديه، ومنه وعنه‏.‏

ومثله للنحاس قال‏:‏ والذي أحفظه عن ابن كيسان‏:‏ أن هذا على مذهب من قال‏:‏ هي جالسة‏.‏ بإسكان الياء‏.‏ وهذا قول حسن‏.‏

وهذه الياء من سنخ الكلمة، وحذفها أقبح من حذف الياء في قوله‏:‏ الطويل

سأجعل عينيه لنفسه مقنعا

لأن الياء التي تتبع الهاء في نفسه ليست من بنية الضمير‏.‏

قال المبرد‏:‏ حذف الياء من قوله‏:‏ لنفسه، لأنها زائدة زيدت لخفاء الهاء، وكذلك الواو، وأنك تقف بغير ياء ولا واو؛ فلما اضطر حذفهما في الوصل كما يحذفان في الوقف؛ ودل عليهما ما بقي من حركة كل واحد منهما‏.‏ وقال أبو الحسن الأخفش‏:‏ حذف الياء لأن الاسم إنما هو الهاء، فرده إلى أصله، وحرف اللين اللاحق لها زائد‏.‏

وقوله دار لسعدى خبر لمبتدأ محذوف أي‏:‏ هذه؛ وقدره ابن خلف‏:‏ في دار، وهو دار‏.‏ وإذ عامله الظرف قبله‏.‏

قال الأعلم‏:‏ وصف داراً خلت من سعدى‏:‏ هذه المرأة، وبعد عهدها بها فتغيرت بعدها؛ وذكر أنها كانت لها داراً ومستقراً إذ كانت مقيمة بها، فكان يهواها بإقامتها فيها‏.‏

وهذا البيت أيضاً من الأبيات الخمسين التي لم يعلم قائلها، ولا يعرف له ضميمة، ورأيت في حاشية اللباب أن ماقبله‏:‏

هل تعرف الدار على تبراكا

بكسر التاء المثناة، وهو موضع‏.‏ قال أبو عبيد في معجم ما استعجم‏:‏ تبراك بكسر التاء‏:‏ موضع في ديار بني فقعس‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو الشاهد الرابع والثمانون

فخيرٌ نحن عند البأس منكم *** إذا الداعي المثوب قال يالا

وصدره‏:‏ على أن اللام خلطت ب يا أراد أنه خلطت لام الاستغاثة الجارة ب يا حرف النداء وجعلتا كالكلمة الواحدة، وحكيتا كما تحكى الأصوات، وصار المجموع شعاراً للاستغاثة‏.‏

قال أبو زيد في نوادره‏:‏ وقوله يالا أراد يا لبني فلان، يريد حكاية الصارخ المستغيث‏.‏ وهذا مذهب أبي علي أيضاً وأتباعه، والأصل عندهم يا لبني فلان ويا لفلان، فحذف ما بعد لام الاستغاثة كما يقال‏:‏ ألا تا فيقال‏:‏ ألا فا يريدون‏:‏ ألا تفعلوا وألا فافعلوا‏.‏ وهذا أحد مذاهب ثلاثة فيه‏.‏

ثانيها‏:‏ أن المنادى والمنفي بلا محذوفان، أي‏:‏ يا قوم لا تغدوا‏.‏ ذكره ابن مالك في شرح التسهيل وابن هشام في المغني‏.‏

ثالثهما‏:‏ أنه بقية يا آل فلان؛ وهو مذهب الكوفيين، قالوا في يا لزيد‏:‏ أصله يا آل زيد فحذفت همزة آل للتخفيف وإحدى الألفين لالتقاء الساكنين، واستدلوا بهذا البيت وقالوا‏:‏ لو كانت اللام جارة لما جاز الاقتصار عليها‏.‏ قال الشارح المحقق‏:‏ وهو ضعيف؛ لأنه يقال ذلك فيما لا آل له؛ نحو‏:‏ يا لله ويا للدواهي، ونحوهما‏.‏

وأجاب ابن جني في الخصائص عن دليلهم بقوله‏:‏ فإن قلت‏:‏ كيف جاز تعليق حرف الجر‏؟‏ قلت لما خلط ب يا صار كالجزء منها؛ ولذلك شبه أبو علي ألفه التي قبل اللام بألف بابٍ ودارٍ، فحكم عليها بالانقلاب، وحسن الحال أيضاً شيٌ آخر‏:‏ وهو تشبث اللام الجارة بألف الإطلاق، فصارت كأنها معاقبة للمجرورة؛ ألا ترى أنك لو أظهرت ذلك المضاف إليه وقلت‏:‏ يا لبني فلان، لم يجز إلحاق الألف هنا، في منابها عما كان ينبغي أن يكون بمكانها، مجرى ألف الإطلاق، في منابها عن تاء التأنيث في نحو قوله‏:‏

ولاعب بالعشي بني بنيه *** كفعل الهر يحترش العظايا

وكذلك نابت واو الإطلاق في قوله‏:‏ الطويل

وما كل من وافى منىً أنا عارف

فيمن رفع كلا عن الضمير الذي يراد في عارف‏.‏ وكما ناب التنوين في نحو يومئذٍ‏.‏

وقال في موضع آخر من الخصائص‏:‏ وسألني أبو علي عن ألف يا من قوله يا لا، في هذا البيت فقال‏:‏ أمنقلبة هي‏؟‏ قلت‏:‏ لا، لأنها في حرف فقال‏:‏ بل هي منقلبة فاستدللته على ذلك، فاعتصم بأنها قد خلطت باللام بعدها، ووقفت عليها فصارت اللام كأنها جزء منها فصارت يال بمنزلة قال، والألف في موضع العين، وهي مجهولة، فينبغي أن يحكم بالانقلاب عن الواو‏.‏

وهذا أجمل ما قاله، ولله هو، وعليه رحمته، فما كان أقوى قياسه‏!‏ وأشد بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه‏!‏ وكأنه إنما كان مخلوقاً له‏!‏ وكيف لا يكون كذلك وقد أقام على هذه الطريقة مع جلة أصحابها وأعيان شيوخها سبعين سنة‏؟‏‏!‏ زائحةً علله، ساقطةً منه كلفه؛ لا يعتاقه عنه ولد ولا يعارضه فيه متجر، ولا يسوم به مطلباً، ولا يخدم به رئيساً إلا بأخرة‏!‏ وقد حط من أثقاله وألقى عصا ترحاله‏:‏ ثم إني لا أقول إلا حقاً، إني لأعجب من نفسي في وقتي هذا كيف تطوع لي بمسألة، أم كيف تطمح بي إلى انتزاع علة‏!‏ مع ما الحال عليه من علق الوقت وأشجانه، وتذاؤبه وخلج أشطانه؛ ولولا مساورة الفكر واكتداده لكنت عن هذا الشأن بمعزل، وبأمر سواه على شغل‏.‏

ولله دره‏!‏ فكأنما رمى عن قوسي، وتكلم عن نفسي‏.‏ والله المشكور في كل حال، وهو غني بعلمه عن السؤال‏.‏

وقوله‏:‏ فخيرٌ نحن عند البأس منكم، قد تكلم الناس على إعرابه قديماً وحديثاً لاسيما أبو علي الفارسي، فإنه تكلم عليه في أكثر كتبه‏.‏ قال‏:‏ في التذكرة القصيرة‏:‏ سألت عن هذا البيت ابن الخياط والمعمري فلم يجيبا إلا بعد مدة؛ قالا‏:‏ لا يخلو من أن يكون نحن ارتفع بخبر وبالابتداء، ويكون خيرٌ الخبر، ويكون تأكيداً للضمير الذي في خير والمبتدأ محذوف، أي‏:‏ نحن خير؛ لا جائز أن يرتفع بخير لأن خيراً لا يرفع المظهر البتة، ولا مبتدأ؛ للزوم الفصل بالأجنبي بين أفعل وبين من، وهو غير جائز، فثبت أن نحن تأكيد للضمير في خير‏.‏

وقد أجمل كلامه هنا، وفصله في المسائل المشكلة، المعروفة بالبغداديات‏.‏ وبعد أن منع كون نحن مبتدأ وخير خبراً قال‏:‏ عندي فيه قولان‏:‏ أحدهما أن يكون قوله خير خبر مبتدأ محذوف تقديره‏:‏ نحن خير عند البأس منكم، فنحن على هذا في البيت ليس بمبتدأ، لكنه تأكيد لما في خير من ضمير المبتدأ المحذوف؛ وحسن هذا التأكيد لأنه حذف المبتدأ من اللفظ ولم يقع الفصل بشيء أجنبي بل بما هو منه، وقد وقع الفصل بالفاعل بين الصلة وموصولها في نحو قولهم‏:‏ ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم منه في عشر ذي الحجة وكان ذلك حسناً سائغاً‏.‏ فإذا ساغ كان التأكيد أسوغ، لأنه قد يحسن حيث لا يحسن غيره من الأسماء‏.‏

وقال في الإيضاح الشعري في هذا الوجه - بعد أن قال‏:‏ ونحن الظاهر تأكيد للضمير الذي في خير على المعنى‏:‏ كان ينبغي أن يكون على لفظ الغيبة، ولكن جاء به على الأصل نحو نحن فعلنا؛ ويدلك على أنه كان ينبغي أن يجيء على لفظ الغيبة‏:‏ أن أبا عثمان قال‏:‏ - في الإخبار عن الضمير الذي في منطلق من قوله‏:‏ أنت منطلق - إذا أخبرت عن الضمير الذي في منطلق من قولك أنت منطلق لم يجز، لأنك تجعل مكانه ضميراً يرجع إلى الذي ولا يرجع إلى المخاطب، فيصير المخاطب مبتدأ ليس في خبره ما يرجع إليه‏.‏

فهذا - من قوله - يدل على أن الضمير وإن كان للمخاطب في أنت منطلق فهو على لفظ الغيبة؛ ولولا ذلك لم يصلح أن يرجع إلى الذي‏.‏ على أن هذا من كلامهم مثل أنتم تذهبون؛ واسم الفاعل أشبه بالمضارع منه بالماضي، فلذلك جعله مثله ولم يجعله مثل الماضي في أنتم فعلتم‏.‏

ثم قال في البغداديات‏:‏ القول الثاني‏:‏ أن يجعل خير صفة مقدمة، يقدر ارتفاع نحن به، كما يجيز أبو الحسن في‏:‏ قائم الزيدان، أن ارتفاع الزيدان بقائم‏.‏ فلا يقع على هذا أيضاً فصلٌ بشيء يكره ولا يجوز، لأن نحن على هذا مرتفع بخبر‏.‏ إلا أن ذا قبيح، لأن خيراً وبابه لا يعمل عمل الفعل إذا جرى على موصوفه، وإعماله في الظاهر مبتدأ غير جارٍ على شيء أقبح وأشد امتناعاً‏.‏ والوجه الأول حسن سائغ‏.‏

قال في الإيضاح‏:‏ فإذا جاز ذلك فيما ذكرناه - أي‏:‏ الوجه الأول - لم يكن فيما حمل أبو الحسن عليه البيت من الظاهر دلالة على إجازة نحو‏:‏ الخليفة أحب إليه يحيى من جعفر حتى يقول‏:‏ الخليفة يحيى أحب إليه من جعفر، وأحب إليه من جعفر يحيى، على ما أجازه سيبويه في‏:‏ ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فلا يفصل بينهما بما هو أجنبي منهما‏.‏

ثم قال في البغداديات‏:‏ فإن قال قائل‏:‏ أيجوز أن يكون فخيرٌ خبراً مقدماً لما بعده وهو نحن، ويكون منكم غير صلة ولكنها ظرف كقوله‏:‏

ولست بالأكثر منهم حصىً

وتقديره‏:‏ ولست بالأكثر فيهم، لا على حد‏:‏ هو أفضل من زيد، ألا ترى أن الألف واللام تعاقب من هنا‏؟‏‏!‏ فالجواب‏:‏ أنه بعيد؛ وليس المعنى عليه، إنما يريد‏:‏ نحن خير منكم، وأن الفزع إلينا والاستغاثة بنا؛ نسد ما لا تسدون ونمنع من الثغور مالا تمنعون‏.‏ ألا ترى أن ما بعد هذا البيت‏:‏

ولم تثق العواتق من غيور *** بغيرته وخلين الحجالا

وقوله‏:‏ عند البأس العامل فيه خير، ولا يجوز أن يكون متعلقاً بالمبتدأ المحذوف على ألا يكون التقدير‏:‏ فنحن خير عند البأس منكم، يريد‏:‏ نحن عند البأس خير منكم، لأنك إن نزلته هذا التنزيل فصلت بين الصلة والموصول بما هو أجنبي منهما ومتعلق بغيرهما، وإذا قدرت اتصاله بخير لم يكن فصل كما لم يكن فصل بفيها من قولك‏:‏ أحب إلى الله عز وجل فيها الصوم‏.‏

والبأس بالموحدة لا بالنون، وهو الشدة والقوة‏.‏ والداعي من دعوت زيداً‏:‏ إذا ناديته وطلبت إقباله‏.‏ والمثوب اسم فاعل من ثوب، قال أبو زيد‏:‏ هو الذي يدعو الناس يستنصرهم، والأصل فيه‏:‏ أن المستغيث إذا كان بعيداً يتعرى ويلوح بثوبه رافعاً صوته، ليرى فيغاث‏.‏

ووثق منه وبه‏:‏ اطمأن إليه وقوي قلبه‏.‏ وجملة لم تثق معطوفة على مدخول إذا؛ وكذلك جملة خلين الحجالا والعواتق‏:‏ جمع عاتق، وهي التي خرجت عن خدمة أبويها وعن أن يملكها الزوج‏.‏ والغيور‏:‏ من غار الرجل على حريمه يغار - من باب تعب - غيرة بالفتح، فهو غيور وغيران، وهي غيور أيضاً وغيرى‏.‏ وخلين؛ متعدي خلا المنزل من أهله يخلو خلواً وخلاء فهو خالٍ‏.‏ وصحفه بعضهم بالحاء المهملة وبالبناء للمجهول على أنه من التحلية وهو التزيين‏.‏ والحجال بكسر الحاء المهملة‏:‏ جمع حجلة بالتحريك، وهو بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كبار، كذا في النهاية‏.‏

وزاد في القاموس أنه للعروس‏:‏ وأخطأ بعضهم حيث قال‏:‏ هو جمع حجل بمعنى الخلخال؛ وهذا لا يناسب المقام، مع أنه لا يجمع على حجال وإنما يجمع على حجول وأحجال‏.‏ يريد أنهن في يوم فزع وغارة لا يثقن بأن يحميهن الأزواج والآباء والإخوة، فنحن عندهن أوثق منكم‏.‏

وهذان البيتان نسبهما أبو زيد في نوادره لزهير بن مسعود الضبي‏.‏

وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس والثمانون

عمرتك الله إلا ما ذكرت لن *** هل كنت جارتنا أيام ذي سلم

على أن قولهم عمرك الله له فعل كما في هذا البيت وعمرتك بتشديد الميم وضم التاء وكسر الكاف‏.‏

وكذلك استدل به سيبويه على أن عمرك وضع بدلاً من اللفظ بالفعل فلزمه النصب بذكر الفعل مجرداً في البيت‏.‏

قال الأعلم - وتبعه بن خلف - معنى عمرتك الله ذكرتك الله وأصله من عمارة الموضع، فكأنه جعل تذكيره عمارةً لقلبه، فعمرك الله مصدر عند سيبويه، وتقديره أن معنى عمرك عمرتك الله، أي‏:‏ سألت الله عمرك؛ وإذا وضح أن عمرك بمعنى عمرتك وجب أن يكون مصدراً‏.‏

وقد ثبت أنهم يقولون‏:‏ عمرك الله وعمرتك الله بمعنى، فيكون اسم الله منصوباً بعمرك على قول‏.‏ وفيه معنى السؤال‏.‏ وقيل منصوب بفعل مقدر، أي‏:‏ سألت الله عمرك أي بقاءك‏.‏

والفرق بينه وبين قول سيبويه وإن كان بمعنى سألت الله تعالى بقاءك‏:‏ أن عمرك على مذهب سيبويه بمعنى عمرتك الملتزم حذفه وهو الناصب له، واسم الله المفعول الثاني؛ وعلى القول الآخر أن عمرك واسم الله مفعولان لسألت المقدر‏.‏

وروى الشارح عن الأخفش إجازة رفع الجلالة على أنه فاعل‏.‏ ونسبه أبو حيان في الارتشاف إلى ابن الأعرابي‏.‏

وروى عن الأخفش‏:‏ أن أصله عنده بتعميرك الله، حذف زوائد المصدر والفعل والباء فانتصب ما كان مجروراً بها‏.‏ ويدل لما قاله الأخفش وأنه ليس منصوباً على إضمار فعل إدخال باء الجر عليه، قال‏:‏

بعمرك هل رأيت لها سميا

قال أبو حيان‏:‏ والذي يكون بعد نشدتك الله وعمرتك الله أحد ستة أشياء‏:‏ استفهام، وأمر، ونهي، وأن، وإلا، ولما بمعنى إلا كقوله‏:‏

عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا

وإذا كان إل وما في معناها فالفعل قبلها في صورة الموجب وهو منفي في المعنى، والمعنى ما أسألك إلا كذا، فالمثبت لفظاً منفي معنى ليتأتى التفريغ‏.‏

قال الدماميني في شرح التسهيل‏:‏ فإن قلت‏:‏ تأويل الفعل بالمصدر بدون سابك ليس قياساً فيلزم الشذوذ، كتسمع بالمعيدي، أي سماعك، وادعاء الشذوذ هنا غير متأت لا طراد مثل هذا التركيب وفصاحته‏!‏ قلت‏:‏ لا نسلم أن التأويل بدون حرف مصدر شاذ مطلقاً، وإنما يكون شاذاً إذا لم يطرد في بابٍ، أما إذا طرد في باب واستمر فيه فإنه لا يكون شاذاً، كالجملة التي يضاف إليها اسم الزمان مثلاً نحو‏:‏ جئتك حين ركب الأمير، أي حين ركوبه‏.‏

وضبط أبو علي الفارسي كما نقل ابن خلف عنه أن ألا في هذا البيت بفتح الهمزة فيكون أصله هلا‏.‏

نقل صاحب التلخيص عن الكسائي‏:‏ أن هلا وألا بقلب الهاء همزة ولولا ولوما للتنديم في الماضي، وللتحضيض في المستقبل؛ فالأول نحو‏:‏ هلا أكرمت زيداً، على معنى ليتك أكرمته، قصداً إلى جعله نادماً على ترك الإكرام؛ والثاني نحو‏:‏ هلا تقوم، على معنى ليتك تقوم، قصداً إلى حثه على القيام‏.‏ ومع هذا فلا يخلو من ضرب من التوبيخ واللوم على ما كان يجب أن يفعله المخاطب قبل أن يطلب منه‏.‏

وما زائدة‏.‏ وهذه الجملة جواب عمرتك الله‏.‏ وهو قسم سؤالي‏.‏ وجملة هل كنت جارتنا في موضع المفعول لذكرت معلق عنه بالاستفهام، والأصل هلا ذكرت لنا جواب هذا السؤال‏!‏ وجملة عمرتك الله إلى آخر البيت في محل نصب على أنها مقولة لقوله في البيت السابق، وهو‏:‏

إذ كدت أنكر من سلمى فقلت له *** لما التقينا وما بالعهد من قدم

وذو سلم‏:‏ موضع عند جبل قريب من المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام‏.‏

والبيتان من قصيدة للأحوص الأنصاري‏.‏ وأنشد سيبويه بيتاً آخر مثل هذا البيت لعمرو بن أحمر الباهلي وهو‏:‏

عمرتك الله الجليل فإنني *** ألوي عليك لو أن لبك يهتدي

ألوي عليك‏:‏ أعطف عليك‏.‏

وقوله‏:‏ لو أن لبك يهتدي، أي‏:‏ لو أن قلبك يقبل النصيحة؛ عبر عنه باللب لأنه محله‏.‏ وجواب القسم السؤالي في بيت بعده وهو‏:‏

هل لامني من صاحب صاحبته *** من حاسرٍ ودارعٍ ومرتدي

واعلم أن عمرتك الله في البيتين بتشديد الميم؛ كما يدل عليه كلام سيبويه المنقول في كلام الشارح، وهو قوله‏:‏ والأصل عند سيبويه‏:‏ عمرتك الله تعميراً‏.‏ ومثله في العباب للصاغاني‏:‏ وقولهم عمرتك الله، أي‏:‏ سألت الله تعميرك‏.‏ وأنشد البيت الأول، ثم قال‏:‏ وقال جل ذكره‏:‏ ولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ‏.‏

ويجوز عندي أن يكون قولهم عمرك الله مصدراً لفعل ثلاثي، وهو‏:‏ فلان يعمره من باب نصر، أي‏:‏ يعبده بالصلاة والصوم ونحوهما، وفلان عمار أي‏:‏ كثير الصلاة والصوم؛ فيكون منصوباً على نزع الباء القسمية ومضافاً إلى فاعله، أي‏:‏ بعبادتك الله‏.‏ ولم أر من شرحه على هذا الوجه‏.‏ والأحوص من الحوص بمهملتين، وهو ضيق في مؤخر العين، وقيل‏:‏ في أحد العينين‏.‏ وهو الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت، يسمى حمي الدبر أي‏:‏ محميها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في بعث، فقتله المشركون، وأرادوا أن يصلبوه ويمثلوا به، فحمته الدبر - وهي النحل - فلم يقدروا عليه‏.‏

والأحوص مقدم عند أهل الحجاز وأكثر الرواة، لو لا أفعاله الدنيئة؛ لأنه أسمحهم طبعاً، وأسلسهم كلاماً، وأصحهم معنى؛ ولشعره رونق وحلاوة، وعذوبة ألفاظ ليست لأحد‏.‏ وهو محسن في الغزل والفخر والمدح‏.‏ وكان يشبب بنساء أشراف المدينة، ويشيع ذلك في الناس؛ فنهي فلم ينته‏.‏ فشكي إلى عامل سليمان بن عبد الملك، وسئل الكتابة فيه إليه، ففعل فكتب سليمان يأمره أن يضربه مائة، ويقيمه على البلس للناس، ثم يسيره إلى دهلك، ففعل به ذلك‏.‏ والبلس بضمتين‏:‏ جمع بلاس بكسر الموحدة، وهي غرائر كبار من مسوح يجعل فيها التبن يشهر عليها من ينكل به، وينادى عليه‏.‏ ومن دعائهم أرانيك الله على البلس وكان الأحوص يقول‏:‏ وهو يطاف به‏:‏

ما من مصيبة نكبة أمنى به *** إلا تعظمني وترفع شأني

إني إذا خفي اللئام رأيتني *** كالشمس لا تخفى بكل مكان

إني على ما قد ترون محسد *** أنمي على البغضاء والشنآن

أصبحت للأنصار فيما نابهم *** خلفاً وفي الشعراء من حسان

وأقام الأحوص منفياً بدهلك إلى أن ولي عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه الأحوص يستأذنه في القدوم، وسأله الأنصار أيضاً أن يقدمه إلى المدينة، فقال لهم‏:‏ من القائل‏:‏

فما هو إلا أن أراها فجاءةً *** فأبهت حتى لا أكاد أجيب

قالوا‏:‏ الأحوص قال‏:‏ فمن الذي يقول‏:‏

أدور ولولا أن أرى أم جعفر *** بأبياتكم ما درت حيث أدور

قالوا‏:‏ الأحوص قال‏:‏ فمن الذي يقول‏:‏

سيبقى لها في مضمر القلب والحش *** سريرة حب يوم تبلى السرائر

قالوا‏:‏ الأحوص‏.‏ قال‏:‏ فمن الذي يقول‏:‏

الله بيني وبين قيمه *** يفر مني بها وأتبع

قالوا‏:‏ الأحوص‏.‏ قال‏:‏ لا جرم ما رددته ما كان لي سلطان‏!‏ قال أبو عبيدة‏:‏ كان سبب نفي الأحوص أن شهوداً شهدوا عليه أنه قال‏:‏ لا أبالي أي الثلاثة أكون ناكح ومنكوح وزانياً‏.‏ وكان مشهوراً بالأبنة وانضاف إلى ذلك أنه دخل يوماً على سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما، فأذن المؤذن فلما قال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرت سكينة برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأحوص‏:‏

فخرت وانتمت فقلت‏:‏ ذريني *** ليس جهل أتيته ببديع

فأنا ابن الذي حمت لحمه الدب *** ر قتيلاً للحيان يوم رجيع

غسلت خالي الملائكة الأب *** رار ميتاً طوبى له من صريع

وكان وفد الأحوص على الوليد بن عبد الملك ممتدحاً له فأنزله منزلاً وأمر بمطبخةٍ تمال عليه‏.‏

وكان قد نزل على الوليد شعيب بن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ وكان الأحوص يراود وصفاء للوليد خبازين، يريدهم أن يفعلوا به الفاحشة؛ وكان شعيب قد غضب على مولى له ونحاه، فلما خاف الأحوص أن يفتضح بمراودته الغلمان اندس لمولى شعيب بذلك فقال‏:‏ ادخل على أمير المؤمنين فاذكر له أن شعيباً راودك عن نفسك‏.‏ ففعل المولى، فالتفت الوليد إلى شعيب فقال‏:‏ ما يقول هذا‏؟‏ فقال‏:‏ لكلامه نبأ يا أمير المؤمنين، فاشدد به يدك يصدقك‏.‏ فشد عليه فقال‏:‏ أمرني الأحوص بذلك‏.‏ فقال قيم الخبازين‏:‏ إن الأحوص يراود غلمانك عن أنفسهم‏.‏ فأرسل به الوليد إلى ابن حزم والي المدينة وأمره أن يجلده مائة، ويصب على رأسه زيتاً ويقيمه على البلس ففعل به كما ذكرنا‏.‏

ولم يزل الأحوص بدهلك حتى مات عمر بن عبد العزيز وتولى يزيد بن عبد الملك‏.‏ فبينا يزيد وجارية ذات يوم تغنيه بعض شعر الأحوص فقال لها‏:‏ من يقول هذا الشعر‏؟‏ قالت‏:‏ لا أدري‏!‏ فأرسل إلى ابن شهاب الزهري وسأله؛ فأخبره أن قائله الأحوص‏.‏ قال‏:‏ وما فعل‏؟‏ قال‏:‏ طال حبسه بدهلك‏.‏ فأمر بتخلية سبيله ووهب له أربعمائة دينار‏.‏

وعن ابن الأعرابي‏:‏ أن الأحوص كانت له جارية تسمى بشرة وكانت تحبه ويحبها‏.‏ فقدم بها دمشق، فحذرته الموت وبكت فقال الأحوص‏:‏

ما لجديد الموت يابشر لذةٌ *** وكل جديدٍ تستلذ طرائفه

ثم مات، فجزعت عليه جزعاً شديداً، ولم تزل تبكي عليه وتندبه حتى شهقت شهقةً وماتت‏.‏ ودفنت إلى جنبه‏.‏

تتمة لم يذكر الآمدي في المؤتلف والمختلف من اسمه أحوص غير هذا‏.‏ وذكر الأحوص بالخاء المعجمة وقال‏:‏ هو زيد بن عمرو بن قيس اليربوعي التميمي؛ وهو شاعرٌ فارس‏.‏ وأورد له شعراً جيداً يفتخر به‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو الشاهد السادس والثمانون

قعيدك أن لا تسمعيني ملامة *** ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا

على أن قعيدك الله وعمرك الله أكثر ما يستعملان في القسم السؤالي فيكون جوابهما ما فيه الطلب كالأمر والنهي‏.‏ وأن هنا زائدة‏.‏

قال أبو حيان في الارتشاف‏:‏ ويجيء بعد قعد وقعيدك الاستفهام وأن ولم يقيدها بكونها زائدة ومصدرية وغيرهما‏.‏ ومثال الاستفهام، قال الأزهري‏:‏ قالت قريبة الأعرابية‏:‏

قعيدك عمر الله يا ابنة مالك *** ألم تعلمينا نعم مأوى المحصب

ولم أسمع بيتاً جمع فيه بين العمر والقعيد إلا هذا‏.‏ انتهى‏.‏

وبقي على أبي حيان أن يقول‏:‏ والسلام‏.‏ روى أبو عبيد قعيدك لتفعلن؛ ولا النافية كما يأتي في كلام الجوهري‏.‏

قال ابن الحاجب في الإيضاح‏:‏ وقعدك الله عند سيبويه مثل عمرك الله يجعله بمعنى فعل مقدر معناه‏:‏ سألته أن يكون حفيظك؛ وإن لم يتكلم به‏.‏ كأنه قيل حفظتك الله، من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عن اليمين وعن الشمال قعيد‏}‏ أي‏:‏ حافظ‏.‏ ووضح ذلك في عمرك الله لاستعمال فعله‏.‏ وإذا تحقق أن معنى قعدك الله معنى الفعل المقدر المذكور، وضح أيضاً أن قعيدك الله بمعناه وفيه أيضاً معنى السؤال، كعمرك الله‏.‏

وقال ابن خلف‏:‏ يريد سيبويه بقوله‏:‏ فقعدك الله يجري على هذا المجرى، أن فعل المصادر قد يترك ويكون بمنزلة ما استعمل الفعل فيه، فقعدك بمنزلة قولك‏:‏ وصفك الله بالثبات وأنه لا يزول‏.‏ يريد سألتك بوصفك الله بالثبات ثم حذف الفعل والباء‏.‏ ولا يستعمل فيه الفعل ولا الباء؛ وهو مصدر لا يتصرف، أي‏:‏ لا يستعمل في غير هذا الموضع من الكلام، ولا يستعمل إلا مضافاً‏.‏ انتهى‏.‏

وقال أبو اسحاق إبراهيم النجيرمي في كتاب أيمان العرب‏:‏ معنى قعدك الله وقعيدك الله‏:‏ أخصب الله بلادك حتى تكون مقيماً فيها قاعداً غير منتجع‏.‏

وقال الجوهري‏:‏ وقولهم‏:‏ قعيدك لا آتيك وقعيدك الله لا آتيك وقعدك الله وقعدك الله بالفتح والكسر‏:‏ يمين للعرب‏.‏ وهي مصادر استعملت منصوبة بفعل مضمر، والمعنى‏:‏ بصاحبك الذي هو صاحب كل نجوى؛ كما يقال‏:‏ نشدتك الله‏.‏

زاد عليه صاحب العباب‏:‏ وقال أبو عبيد‏:‏ عليا مضر تقول‏:‏ قعيدك لتفعلن كذا، يعني أنهم يحلفونه بأبيه، قال‏:‏ القعيد‏:‏ الأب‏.‏

وأنكر صاحب القاموس كونهما للقسم فقال‏:‏ قعيدك الله وقعدك بالكسر استعطاف لا قسمٌ، بدليل أنه لم يجئ جواب القسم‏.‏ وهذا مخالف للجمهور؛ فإن قوله لا تسمعيني جواب لقوله قعيدك، وكذا لا آتيك، فيما نقله الجوهري‏.‏

قال صاحب البسيط ويدل على القسم قولهم‏:‏ قعدك الله لأفعلن وروى فقعدك بفتح القاف وكسرها‏.‏ والمفعول الثاني محذوف، أي‏:‏ قعدك الله‏.‏ والكاف مكسورة لأنه خطاب مع امرأة كما يأتي بيانه‏.‏ وجملة لا تنكئي لا محل لها من الإعراب، كجملة المعطوف عليها؛ يقال نكأت القرحة، بالهمز‏:‏ إذا قشرتها؛ ونكيت في العدو بلا همز‏.‏ والقرح كالجرح وزناً ومعنى‏.‏ وقوله فييجعا منصوب بأن مضمرة بعد الفاء، في جواب النهي الثاني‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ أهل الحجاز يقولون‏:‏ وجع يوجع ووجل يوجل، يقرون الواو على حالها إذا سكنت وانفتح ما قبلها، وهي أجود اللغات؛ وبعض قيس يقول‏:‏ وجل ياجل ووجع ياجع؛ وبنو تميم تقول‏:‏ وجع ييجع، وهي شر اللغات؛ لأن الكسر من الياء والياء يقوم مقام كسرتين، فكرهوا أن يكسروا لثقل الكسر فيها‏.‏ وقال الفراء‏:‏ إنما كسر ليتفق اللفظ فيها واللفظ بأخواتها؛ وذلك أن بعض العرب يقول‏:‏ أنا إيجل وأنت تيجل ونحن نيجل؛ فلو قالوا هو يوجل كانت الياء قد خالفت أخواتها‏.‏

وهذا البيت من قصيدة مشهورة مشروحة في المفضليات وغيرها، لمتمم ابن نويرة الصحابي رضي الله عنه، يرثي بها أخاه مالك بن نويرة‏.‏ وقبل هذا البيت ثمانية أبيات متصلة به وهي‏:‏

تقول ابنة العمري مالك بعدم *** أراك حديثاً ناعم البال أفرعا

ابنة العمري‏:‏ زوجته‏.‏ والحديث‏:‏ القريب‏.‏ والأفرع‏:‏ الكثير شعر الرأس‏.‏ تقول له‏:‏ مالك اليوم متغيراً بعد أن كنت منذ قريب ناعم البال أفرع‏.‏

فقلت لها‏:‏

طول الأسى إذ سألتني *** ولوعة حزن تترك الوجه أسفعا

الأسى‏:‏ الحزن‏.‏ والتاء من سألتني مكسورة‏.‏ واللوعة‏:‏ الحرقة‏.‏ والسفعة بالضم‏:‏ سواد يضرب إلى الحمرة‏.‏

وفقد بني أم تداعوا فلم أكن *** خلافهم أن أستكين وأضرعا

فقد‏:‏ معطوف على طول الأسى‏.‏ وتداعوا‏:‏ تفرقوا ودعا بعضهم بعضاً‏.‏ وخلافهم‏:‏ بعدهم وخلفهم‏.‏ يقول‏:‏ لست وإن أصابني حزن بمستكين ولا خاضع فيشمت به الأعداء‏.‏

ولكنني أمضي على ذاك مقدم *** إذا بعض من يلقى الحروب تكعكعا

التكعكع‏:‏ التأخر عن الحرب من الجبن والتهيب‏.‏

وغيرني ما غال قيساً ومالك *** وعمراً وجزءاً بالمشقر ألمعا

غال‏:‏ أهلك‏.‏ وقيس وعمرو‏:‏ رجلان من بني يربوع؛ وجزء‏:‏ هو بن سعد الرياحي؛ وهؤلاء قتلهم الأسود بن المنذر يوم المشقر‏.‏ ويعني بمالك أخاه‏.‏ والمشقر بالشين المعجمة والقاف على زنة اسم المفعول‏:‏ قصر بالبحرين، وقيل‏:‏ مدينة هجر‏.‏ وقوله‏:‏ ألمعا، أي‏:‏ ألمع بهم الموت، ومعناه ذهب بهم؛ وقال الكسائي‏:‏ أراد معاً فزاد أل‏.‏

وما غال ندماني يزيد، وليتني *** تمليته بالأهل والمال أجمعا

الندمان بالفتح هو النديم، وكان يزيد ابن عمه ونديمه‏.‏

وإني وإن هازلتني قد أصابني *** من البث ما يبكي الحزين المفجعا

يقول‏:‏ نزل بي ما يغلب الصبر والتجلد حتى يحمل صاحبه على البكاء، وأنا مع ذلك أتجلد‏.‏

ولست إذا ما أحدث الدهر نكبة *** ورزءاً بزوار القرائب أخضعا

يقول‏:‏ إذا أصابتني مصيبة لم آت قرائبي خاضعاً لهم الحاجة مني إليهم، ولكنني أصبر وأعف مع الفقر‏.‏

وبعده‏:‏

قعيدك أن لا تسمعيني ملامة‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

ومتمم‏:‏ هو ابن نويرة بن جمرة بالجيم ابن شداد ابن عبيد بن ثعلبة ابن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم‏.‏

وكان متمم من الصحابة رضي الله عنهم‏.‏ وأخوه مالك يقال له فارس ذي الخمار بكسر الخاء المعجمة وذو الخمار فرسه‏.‏

قال ابن السيد في شرح كامل المبرد‏:‏ قولهم فتىً ولا كمالك‏!‏ هو مالك بن نويرة سيد بني يربوع قتله خالد بن الوليد‏.‏

ورأيت رسالة لأبي رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي تتضمن قصة قتل خالد بن الوليد لمالك بن نويرة؛ قال‏:‏

كان مالك بن نويرة قد أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وتصدق، وكان عريف ثعلبة بن يربوع فقبض النبي صلى الله عليه وسلم وإبل الصدقة برحرحان، وهو ماء دوين بطن نخل، فجمع مالك جمعاً نحواً من ثلاثين فأغار عليها فاقتطع منها ثلاثمائة؛ فلما قدم بلاد بني تميم لامه الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم؛ وبلغ مالكاً أنهما يمشيان به في بني تميم، فقال مالك يعتبهما ويدعو على ما بقي من إبل الصدقة‏:‏

أراني الله بالنعم المندى *** ببرقة رحرحان وقد أراني

أإن قرت عيون فاستفيئت *** غنائم قد يجود بها بناني

حويت جميعها بالسيف صلت *** ولم ترعد يداي ولا جناني

تمشى يا ابن عوذة في تميم *** وصاحبك الأقيرع تلحياني‏!‏‏!‏

ألم أك نار رابئة تلظى *** فتتقيا أذاي وترهباني‏؟‏‏!‏

فقل لابن المذب يغض طرف *** على قطع المذلة والهوان

وعوذة‏:‏ أم ضرار بن القعقاع وهي معاذة بنت ضرار بن عمرو الضبي‏.‏ والمذبة‏:‏ أم الأقرع بن حابس‏.‏

فلما قام أبو بكر وبلغه قول مالك بعث إليه خالد بن الوليد، وأمره أن لا يأتي الناس إلا عند صلاة الغداة؛ فمن سمع فيهم مؤذناً كف عنهم، ومن لم يسمع فيهم مؤذناً استحلهم؛ وعزم عليه ليقتلن مالكاً إن أخذه‏.‏ فأقبل خالد بن الوليد حتى هبط جو البعوضة، وبه بنو يربوع، فبات عندهم ولا يخافونه؛ فمر على بني رياح فوجد شيخاً منهم يقال له مسعود بن وضام، يقول‏:‏

وحجة أتبعها بحجة *** وهدية أهديتها للأبطح

فمضى عن رياح حتى مر ببني غدانة وبني ثعلبة فلم يسمع فيهم مؤذناً فحمل عليهم؛ فثار الناس ولا يدرون ما بيتهم، فلما رأوا الفرسان والجيش قالوا‏:‏ من أنتم‏؟‏ قالوا‏:‏ نحن المسلمون‏.‏ قال مالك‏:‏ ونحن المسلمون‏!‏ فلم ينته المسلمون لذلك ووضعوا فيهم السيف وقتلت غدانة أشد القتل وقتلت ثعلبة، وأعجل مالك عن لبس السلاح، وإن امرأته ليلى بنت سنان بن ربيعة بن حنظلة قامت دونه عريانة ودخل القبة وقامت دونه؛ ولبس مالك أداته ثم خرج فنادى‏:‏ يا آل عبيد‏.‏ فلم يجبه أحد غير بني بهآن فإنهم صدقوا معه يومئذ ٍوطلعوا من جو البعوضة وبلغوا ذات المذاق - وهي أكمة بينها وبين الجو ميلان وقدر ميل ونصف - ففزعوا من القوم، غير مالك وغير بقية من ولد حبشي بن عبيد بن ثعلبة، وكان عدة من أصيب مع مالك خمسة وأربعين رجلاً من بني بهان‏.‏

ثم إن خالد بن الوليد قال‏:‏ يا ابن نويرة هلم إلى الإسلام قال مالك‏:‏ وتعطيني ماذا‏؟‏ قال‏:‏ ذمة الله وذمة رسوله، وذمة أبي بكر، وذمة خالد بن الوليد فأقبل مالك وأعطاه بيديه، وعلى خالد تلك العزمة من أبي بكر‏.‏ قال‏:‏ يا مالك، إني قاتلك‏.‏ قال‏:‏ لا تقتلني؛ قال‏:‏ لا أستطيع غير ذلك؛ قال‏:‏ فأت ما لا تستطيع إلا إياه‏.‏ فقدمه إلى الناس فتهيبوا قتله، وقال المهاجرون‏:‏ أنقتل رجلاً مسلماً‏؟‏‏!‏ غير ضرار ابن الأزور الأسدي من بني كوز، فإنه قام بقتله‏.‏ فقال متمم بن نويرة يذكر غدره بمالك‏:‏

نعم القتيل إذا الرياح تحدبت *** فوق الكنيف قتيلك بن الأزور

أدعوته بالله ثم قتلته‏؟‏‏!‏ *** لو هو دعاك بذمة لم يغدر

ولنعم حشو الدرع يوم لقائه *** ولنعم مأوى الطارق المتنور

لا يلبس الفحشاء تحت ثيابه *** صعب مقادته عفيف المئزر

فلما فرغ خالد منه أقبل المنهال بن عصمة الرياحي في ناس من بني رياح يدفنون قتلى بني ثعلبة وبني غدانة، ومع المنهال بردان من يمنة‏.‏ فكانوا إذا مروا على رجل يعرفونه قالوا‏:‏ كفن هذا يا منهال فيهما؛ فيقول‏:‏ لا، حتى أكفن فيهما الجفول مالكاً وهو الكثير الشعر، وكان يلقب بذلك لكثرة شعره‏.‏ وذلك في يوم شديد الريح فجعلوا لا يقدرون على ذلك‏.‏ ثم رفعت الريح شعره من أقصى القوم فعرفه فجاءه فكفنه‏.‏ فذلك قول متمم في أول القصيدة‏:‏

لعمري وما دهري بتأبين مالك *** ولا جزع مما أصاب فأوجع

لقد كفن المنهال تحت ردائه *** فتىً غير مبطان العشيات أروعا

ألم يأت أخبار المحل سراتن *** فيغضب منها كل من كان موجعا

المحل‏:‏ رجل من بني ثعلبة، مر بمالك مقتولاً فنعاه كأنه شامت، فذمه متمم وأخذ خالد بن الوليد ليلى بنت سنان امرأة مالك، وابنها جراد بن مالك؛ فأقدمهما المدينة، ودخلها وقد غرز سهمين في عمامته، فكأن عمر غضب حين رأى السهمين فقام فأتى علياً فقال‏:‏ إن في حق الله أن يقاد هذا بمالك؛ قتل رجلاً مسلماً ثم نزا على امرأته كما ينزو الحمار‏.‏ ثم قاما فأتيا طلحة، فتتابعوا على ذلك‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ سيف سله الله لا أكون أول من أغمده، أكل أمره إلى الله‏.‏

فلما قام عمر بالأمر وفد عليه متمم فاستعداه على خالد‏.‏ فقال‏:‏ لا أرد شيئاً صنعه أبو بكر‏.‏ فقال متمم‏:‏ قد كنت تزعم أن لو كنت مكان أبي بكر أقدته به‏!‏ فقال عمر‏:‏ لو كنت ذلك اليوم بمكاني اليوم لفعلت، ولكني لا أرد شيئاً أمضاه أبو بكر، ورد عليه ليلى وابنها جراد‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو الشاهد السابع والثمانون

أيها المنكح الثريا سهيل *** عمرك الله كيف يلتقيان‏!‏

هي شامية إذا ما استقلت *** وسهيل إذا استقل يماني

على أن عمرك الله يستعمل في القسم السؤالي، ويكون جوابه ما فيه الطلب، وهو هنا جملة كيف يلتقيان فإن الاستفهام طلب الفهم، وهو هنا تعجبي‏.‏ خلافاً للجوهري في هذا فإنه زعم أن عمرك الله هنا في غير القسم‏.‏

وهذان البيتان من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة‏.‏

والمنكح‏:‏ اسم فاعل من أنكحه أي‏:‏ زوجه‏.‏ واستقل ارتفع‏.‏ والثريا هي بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر وهم العبلات‏.‏

وكانت الثريا وأختها عائشة أعتقتا الغريض المغني، واسمه عبد الملك، ويكنى أبا يزيد، كذا قال المبرد في الكامل‏.‏ قال ابن السيد في شرحه‏:‏ والعبلات هم بنو أمية الأصغر بن عبد شمس - وبنو عبد شمس‏:‏ أمية، وعبد أمية، ونوفل أبناء عبد شمس - نسبوا إلى أمهم عبلة بنت عبيد بن جادل بن قيس بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم‏.‏ وهي من البراجم‏.‏

ورأيت في كتب اللهو لبن جرادبة أن كنيته أبو زيد، وقال‏:‏ هو من مولدي البربر يضرب العود، أخذ الغناء عن ابن سريج ثم حسده فطرده، وكان جميلاً، وربته الثريا وعلمته النوح بالمراثي على من قتله يزيد بن معاوية يوم الحرة‏.‏

وقيل إن الثريا بنت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر‏.‏

وذكر الزبير بن بكار أنها الثريا بنت عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث ابن أمية الأصغر، وأنها أخت محمد بن عبد الله المعروف بأبي جراب العبلي الذي قتله داود بن علي؛ كذا في الغرر والدرر للشريف‏.‏

وأما سهيل‏:‏ فهو سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري‏.‏ وكنيته أبو الأبيض‏.‏ وأمه بنت يزيد بن سلامة ذي فائش الحميري‏.‏ تزوج الثريا ونقلها إلى مصر‏.‏ فقال عمر بن أبي ربيعة يضرب لها المثل بالكوكبين‏.‏ فكان يشبب بها، وقال فيها أشعاراً‏.‏ وكانت تصيف في الطائف، فكان عمر يغدو بفرسه كل غداة فيسائل الذين يحملون الفاكهة عن أخبارها، فسأل بعضهم يوماً؛ فقال‏:‏ لا أعلم خبراً غير أني سمعت عند رحيلنا صوتاً وصياحاً على امرأة من قريش اسمها اسم نجم ذهب عني اسمه‏.‏ قال عمر‏:‏ الثريا‏؟‏ قال‏:‏ نعم وكان قد بلغه أنها عليلة، فركض فرسه من أقرب الطريق حتى انتهى إليها وهي تشرف من ثنية؛ فوجدها سليمة ومعها أختها، فأخبرها الخبر فضحكت وقالت‏:‏ أنا والله أمرتهم لأخبر ما عندك‏!‏ ولما تزوج عمر هجرته الثريا وغضبت عليه فقال‏:‏

قال لي صاحبي ليعلم ما بي‏:‏ *** أتحب القتول أخت الرباب

قلت‏:‏ وجدي بها كوجدك بالم *** ء إذا ما منعت برد الشراب

من رسولي إلى الثريا فإني *** ضقت ذرعاً بهجرها والكتاب

ثم تزوجها سهيل المذكور وحملها إلى مصر، وكان عمر غائباً، فلما بلغه قال‏:‏ الخفيف

أيها الطارق الذي قد عناني *** بعد ما نام سامر الركبان

زار من نازح بغير دليل *** يتخطى إلي حتى أتاني

إلى أن قال‏:‏ أيها المنكح الثريا سهيلا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيتين وزعم بعضهم أن سهيلا هو ابن عبد العزيز بن مروان‏.‏ والصحيح الأول‏.‏ ثم سار إلى المدينة وكتب إليها‏:‏

كتبت إليك من بلدي *** كتاب مولهٍ كمد

كثيب واكف العين *** ين بالحسرات منفرد

يؤرقه لهيب الشو *** ق بين السحر والكبد

فيمسك قلبه بيد *** ويمسح عينه بيد

فلما قرأته بكت بكاء شديداً ثم تمثلت‏:‏ الطويل

بنفسي من لا يستقل بنفسه *** ومن هو، إن لم يرحم الله، ضائع

وكتبت إليه تقول‏:‏

أتاني كتابٌ لم ير الناس مثله *** أبين بكافور ومسك وعنبر

فقرطاسه قوهية ورباطه *** بعقدٍ من الياقوت صافٍ وجوهر

وفي صدره‏:‏ مني إليك تحيةٌ *** لقد طال تهيامي بكم وتذكري

وعنوانه‏:‏ من مستهامٍ فؤاده *** إلى هائمٍ صب من الحزن مسعر

روي أن الثريا وعدته ليلةً أن تزوره؛ فجاءت في الوقت الذي وعدته فيه، فصادفت أخاه الحارث بن ربيعة قد طرقه، وأقام عنده ووجه به في حاجة ونام مكانه وغطى وجهه بثوبه، فلم يشعر إلا وقد ألقت نفسها عليه تقبله‏!‏ فانتبه وجعل يقول‏:‏ اغربي عني فلست بالفاسق، أخزاكما الله‏!‏ فانصرفت‏.‏ ورجع عمر فأخبره الحارث بذلك، فاغتنم على ما فاته منها وقال‏:‏ والله لا تمسك النار أبداً وقد ألقت نفسها عليك‏!‏ فقال‏:‏ عليك وعليها لعنة الله‏.‏

وحكم له بين الثريا وسهيل تورية لطيفة؛ فإن الثريا يحتمل المرأة المذكورة وهو المعنى البعيد المورى عنه وهو المراد، ويحتمل ثريا السماء وهو المعنى القريب المورى به‏.‏ وسهيل يحتمل الرجل المذكور وهو المعنى البعيد المورى عنه وهو المراد، ويحتمل النجم المعروف بسهيل‏.‏ فتمكن للشاعر أن ورى بالنجمين عن الشخصين ليبلغ من الإنكار على من جمع بينهما ما أراد‏.‏ وهذه أحسن تورية وقعت في شعر المتقدمين‏.‏

وفي شرح بديعية العميان لابن جابر‏:‏ لا يقال إن التورية في الثريا مرشحة بقوله شامية، إذ ليست من لوازم المورى به؛ ولا مبينة، إذ ليست من لوازم المورى، إذ المرأة شامية الدار والنجم أيضاً شامي فاشتركا في ذلك، ولا يكون الترشيح والتبيين إلا بلازم خاصي‏.‏ وكذلك التورية في سهيل؛ لا يقال إنها مرشحة ولا مبينة بيمانٍ، إذ هو صفة مشتركة بينهما، لن سهيلاً الذي هو رجل يمان كسهيل الذي هو النجم‏.‏ وسبب هذين‏:‏ أن سهيلاً المذكور تزوج الثريا المذكورة وكان بينهما بون بعيد في الخلق‏:‏ كانت الثريا مشهورة في زمانها بالحسن والجمال، وكان سهيل قبيح المنظر، وهذا مراده بقوله‏:‏ عمرك الله كيف يلتقيان، أي‏:‏ كيف يلتقيان مع تفاوت ما بينهما في الحسن والقبح، انتهى‏.‏

وعمر‏:‏ هو عمر بن عبد الله - سماه به رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في الجاهلية يسمى بحيرا بفتح الموحدة وكسر المهملة - ابن أبي ربيعة، واسمه حذيفة، وكان يلقب بذي الرمحين، ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي‏.‏

ويكنى عمر أبا الخطاب‏.‏ وأبو جهل بن هشام بن المغيرة ابن عم أبيه‏.‏ وأم عمر بن الخطاب حنتمة بنت هشام بن المغيرة بنت عم أبيه‏.‏ وإخوته عبد الله وعبد الرحمن والحارث بنو عبد الله‏.‏

وكان عبد الرحمن أخوه تزوج أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق بعد طلحة وولدت له‏.‏ وأعقب الحارث‏.‏ ولا عقب لعمر، وكانت أمه نصرانية، وهي أم إخوته‏.‏

ولم يكن في قريش أشعر من عمر‏.‏ وهو كثير الغزل والنوادر والمجون يقال‏:‏ من أراد رقة الغزل فعليه بشعر عمر بن أبي ربيعة‏.‏

ولد ليلة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وهي الليلة التي مات فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فسمي باسمه‏.‏

قال ابن قتيبة‏:‏ كان عمر فاسقاً يتعرض لنساء الحاج ويشبب بهن‏.‏ فنفاه عمر بن عبد العزيز إلى دهلك‏.‏ ثم غزا في البحر فأحرقت السفينة التي كان فيها فاحترق هو ومن كان معه‏.‏

وفي الأغاني بسنده أنه نظر في الطواف امرأةً شريفة، فكلمها فلم تجبه، فقال‏:‏

الريح تسحب أذيالاً وتنشره *** يا ليتني كنت ممن تسحب الريح

في أبيات‏.‏ فلما بلغتها جزعت جزعاً شديداً‏.‏ فقيل لها‏:‏ اذكريه لزوجك واشكيه‏.‏ قالت‏:‏ والله ما أشكوه إلا لله، اللهم إن كان نوه باسمي ظالماً فاجعله طعاماً للريح‏.‏

فعدا يوماً على فرس فهبت ريح، فنزل فاستتر بشجرة فعصفت الريح فخدشه غصن منها، فمات على ذلك‏.‏

وكان ذلك سنة ثلاث وتسعين، وقد قارب السبعين وجاوزها‏.‏ وقيل عاش ثمانين سنة‏.‏ وترجمته في الأغاني طويلة‏.‏

وأنشد بعده‏:‏

فإنما هي إقبال وإدبار

تقدم شرحه في الشاهد السبعين في باب المبتدأ‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو الشاهد الثامن والثمانون

وهو من شواهد سيبويه‏:‏

عجب لتلك قضية، وإقامتي *** فيكم على تلك القضية أعجب

على أنهم يرفعون بعض المصادر المنصوبة بعد حذف عاملها لزيادة المبالغة في الدوام‏.‏ بين الشارح وجه رفعه على الخيرية‏.‏

وكذلك أورده سيبويه بأنه على إضمارٍ مبتدأ، أي‏:‏ أمري عجب‏.‏ وقال الأعلم وتبعه بن خلف‏:‏ يجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء وإن كان نكرة لوقوعه موقع المنصوب؛ ويتضمن من الوقوع موقع الفعل ما يتضمن المنصوب فيستغنى عن الخبر، لأنه كالفعل والفاعل، فكأنه قال‏:‏ أعجب لتلك القضية‏.‏ وخبره لتلك‏.‏

وهذا هو المعهود في المصادر المنصوبة‏:‏ إذا رفعت جعلت مبتدأ وجعل متعلقها خبراً مثل الحمد لله والسلام عليك لتكون في معنى الأصل، أعني الجملة الفعلية لا تزيد عليها إلا بالدلالة على الثبات، وقد يجعل غير متعلقها خبراً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فصبرٌ جميلٌ‏}‏ أي‏:‏ أحسن من غيره‏.‏ وقضية منصوب على التمييز للنوع الذي أشار إليه بتلك؛ ويجوز أن يكون منصوباًعلى الحال، قال أبو علي‏:‏ كأنه قال‏:‏ اعجبوا لتلك الفعلة قضية‏.‏ وقضية هنا بمعنى مقضية‏.‏ وروى‏:‏ عجباً بالنصب على أنه مصدر نائب عن أعجب‏.‏

واعلم أن الشارح المحقق حقق هنا أن المصدر المنصوب بعد حذف عامله يفيد الدوام، وإذا رفع وجعل خبراً أفاد زيادة وهي المبالغة في الدوام‏.‏

وهذا مناقض لكلامه في باب المبتدأ في سلامٌ عليك من أن النصب بعد حذف الفعل يدل على الحدوث، فعدل إلى الرفع للدلالة على الدوام‏!‏ قال الدماميني في شرح التسهيل‏:‏ الحق ما قاله الرضي في باب المفعول المطلق، بخلاف ما قاله في المبتدأ فإنه غير مرضي‏.‏

أقول‏:‏ لو عكس القضية لكان أظهر، فإنه مع النصب الصريح كيف يفيد الدوام، مع أن الجملة فعلية، والتزام الحذف لا ينافيه، كما في الظرفية الواقعة خبراً إذا قدر المتعلق فعلاً مع أن الجملة إسمية، ومع هذا فلم يجعلوها للدوام الثبوتي‏!‏ فإن ادعى أن العامل مضارع واسم فاعل، وأن كلاً منهما محمول على الاستمرار التجددي لا الدوامي؛ ورد عليه أن هذا يحصل مع الذكر، فتخصيص الحذف به مما لا داعية إليه، مع أن هذا ليس مراداً له، بل مراده حصول الاستمرار الثبوتي مع النصب‏.‏ وكلام الشارح هنا مخالف لكلام علماء المعاني، قال السيد في شرح المفتاح‏:‏ إن الاسم كعالم مثلاً يدل على ثبوت العلم لمن حكم به عليه، وليس فيه تعرض لاقترانه بزمانٍ وحدوثه فيه ولا لدوامه‏.‏ نعم لما كان اسم الفاعل جارياً على الفعل جاز أن يقصد به الحدوث بمعونة القرائن كما في ضائق، ويجوز أن يقصد به الدوام أيضاً في مقام المدح والمبالغة، وكذا حكم اسم المفعول، وأما الصفة المشبهة فلا يقصد بها إلا مجرد الثبوت وضعاً، والدوام باقتضاء المقام‏.‏

والجملة الاسمية إذا كان خبرها اسماً فقد يقصد بها الدوام والاستمرار الثبوتي بمعونة القرائن؛ وإذا كان خبرها مضارعاً فقد يفيد استمراراً تجددياً، وهذه الإفادة أيضاً بمعونة القرائن كما في‏:‏ الله يستهزئ بهم لكن هذا الاستمرار التجددي مستفاد من المضارع في الحقيقة، وفائدة الجملة الإسمية ها هنا تقوي الحكم، فليس كل جملة إسمية مفيدة للدوام، فإن قولك‏:‏ زيد قام، يفيد تجدد القيام‏.‏

فقول الشارح هنا إنما وجب حذف الفعل لأن المقصود من مثل هذا الحصر والتكرير وصف الشيء بدوام حصول الفعل منه ولزومه له، ووضع الفعل على الحدوث والتجدد مشكلٌ؛ لأنه هنا جملة إسمية خبرها فعل مضارع واسم فاعل دل على الحدوث لعمله، فهي للاستمرار التجددي لا الدوامي؛ وحينئذٍ لا فرق بين ذكر العامل وحذفه؛ لأن التقدير‏:‏ ما زيد إلا يسير سيراً، وزيد يسير سيراً، فكيف جعل الغرض من هذا الحصر والتكرير وصف الشيء بدوام حصول الفعل منه ولزومه له مع أن الجملة اسمية خبرها مضارع‏؟‏ فإن أجيب‏:‏ بأن الجملة إنما أفادت مع الحصر والتكرير الدوام الثبوتي للزوم حذف العامل، ورد عليه الجملة الاسمية التي خبرها ظرفية إذا قدر المتعلق فيها فعلاً، فإنها لا تفيد الدوام الثبوتي مع لزوم حذف العامل‏.‏

فإن أجيب‏:‏ بأن الدال على الدوام الثبوتي إنما هو الحصر والتكرير لا الجملة الإسمية التي قدر خبرها فعلاً، كما يدل عليه قوله بعد ذلك لم يكن فيه معنى الحصر المفيد للدوام، ورد عليه أن كلامهم مطلق لم يقيد بهذا القيد‏.‏

وقول الشارح‏:‏ وإن كان يستعمل المضارع في بعض المواضع للدوام لا يخلو عن بحث، فإن ظاهره أن الدوام الذي يفيده المضارع ثبوتي لا تجددي، إلا أن يقال‏:‏ مراده مطلق الدوام، وإن كان مختلفاً، وهذا لا يناسب أول كلامه‏.‏ وقوله‏:‏ وذلك لمشابهته لاسم الفاعل إن حمل اسم الفاعل على العامل فدوامه تجددي لا ثبوتي، وإن حمل على غير العامل فهو يفيد الاستمرار الدوامي لا التجددي بالقرينة، والحمل عليه لا يناسب، لأن المضارع لا يفيد ذلك بل يفيد الاستمرار التجددي‏.‏

وقوله‏:‏ فلما كان المراد التنصيص على الدوام واللزوم لم يستعمل العامل أصلاً، يريد أنه قد علم أن الدال للدوام عنده هو الحصر والتكرير، فالتزم حذف ما دلالته تنافي ذلك وهو العامل، لأنه‏:‏ إما فعل وهو موضوع للتجدد، واستعماله في الدوام إذا كان مضارعاً ليس وضيعاً بل بالقرائن، فنظرنا إلى أصل الوضع والتزمنا حذفه وفيه أن المحذوف كالثابت، كما يدل عليه كلامهم في متعلق الظرف الواقع خبراً إذا قدر بالفعل‏.‏

وقوله‏:‏ واسم فاعل وهو مع العمل كالفعل أي‏:‏ للتجدد فلا يفيد الاستمرار وضعاً وإن استعمل فيه بمعونة القرائن؛ وفيه أيضاً أن المحذوف كالثابت، وعمله إنما ينافي حمله على الاستمرار الثبوتي إذا كان عاملاً في المفعول به، أما عمله في الظرف وفي المفعول المطلق كما هنا فلا ينافي إفادته للدوام الثبوتي، وأما إذا عمل في المفعول به فإنه يفيد الاستمرار التجددي‏.‏

وبيت الشاهد من أبيات سبعة أولها‏:‏

ياجند أخبرني ولست بمخبري *** وأخوك ناصحك الذي لا يكذب

هل في القضية أن إذا استغنيتم *** وأمنتم فأنا البعيد الأجنب

وإذا الشدائد بالشدائد مرة *** أشجتكم فأنا المحب الأقرب

وإذا تكون كريهة أدعى له *** وإذا يحاس الحيس يدعى جندب

ولجنب سهل البلاد وعذبه *** ولي الملاح وخبتهن المجدب

عجب لتلك قضية وإقامتي ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

هذا وجدكم الصغار بعينه *** لا أم لي إن كان ذاك ولا أب‏!‏

وهذا الشعر لضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم شاعر جاهلي‏.‏ ويقال‏:‏ إن ضمرة كان اسمه شقة فسماه النعمان ضمرة بن ضمرة‏.‏ وكان يبر أمه ويخدمها، وكانت مع ذلك تؤثر أخاً له يقال له جندب، فقال هذا الشعر‏.‏ هكذا رواه ابن هشام اللخمي في شرح أبيات الجمل‏.‏ ورواه بعضهم‏:‏ يا ضمر أخبرني وقال‏:‏ إن قائله ضمرة‏.‏ وهو خطأ‏.‏ ونسبه أبو رياش لهمام بن مرة أخي جساس بن مرة قاتل كليب‏.‏ وزعم ابن الأعرابي‏:‏ أنه قيل قبل الإسلام بخمسمائة سنة‏.‏ وفي شرح أبيات سيبويه‏:‏ أنه لبعض مذحج؛ وقال السيرافي‏:‏ هو لزراقة الباهلي‏.‏

وقال الآمدي في المؤتلف والمختلف‏:‏ هو لهني بن أحمر، من بني الحارث ابن مرة بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة، جاهلي‏.‏ وأنشدوا له‏:‏ يا ضمر أخبرني‏.‏

وهني‏:‏ مصغر هن، وأصله هنيو فأبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء لسبقها بالسكون‏.‏

ورواه أبو محمد الأعرابي عن أبي الندي‏:‏ أنه لعمرو بن الغوث بن طيئ، وأنشدوا له‏:‏

يا طي أخبرني ولست بكاذب

قال‏:‏ أكتبنا أبو الندى قال‏:‏ بينا طيئ جالس ذات يوم مع ولده بالجبلين‏:‏ أجأ وسلمى إذ أقبل رجلٌ من بقايا جديس ممتد الخلق كاد يسد الأفق طولا ويفرعهم باعا، وإذا هو الأسود بن عفار الجديسي، وكان نجا من حسان تبع يوم اليمامة فلحق بالجبلين، فقال لطيئ‏:‏ من أدخلكم بلادي وأورثكم عن آبائي‏؟‏ اخرجوا عنها، وإلا اضربوا بيننا وبينكم وقتاً نقتتل فيه، فأينا غلب استحق البلد؛ فاتعدا لوقتٍ، فقال طيئ لجندب بن خارجة بن سعد بن فطرة بن طيئ - وأمه جديلة بنت سبيع بن عمرو من حمير وبها يعرفون وهم جديلة طيء وكان طيئ لها مؤثراً - فقال لجندب‏:‏ قاتل عن مكرمتك‏.‏ فقالت أمه آلله لتتركن بنيك ولتعرضن ابني للقتل‏!‏ فقال طيئ‏:‏ ويحك، إنما خصصته بذلك‏.‏ فأبت‏.‏ فقال طيئ لعمرو بن الغوث بن طيئ‏:‏ عليك يا عمرو الرجل فقاتله‏.‏ قال عمرو‏:‏ لا أفعل‏.‏ وقال هذه الأبيات، وهو أول من قال الشعر في طيئ بعد طيئ‏.‏ فقال طيئ‏:‏ يابني إنها أكرم دارٍ في العرب‏.‏ فقال عمرو‏:‏ لن أفعل إلا على شرط أن لا يكون لبني جديلة في الجبلين نصيب‏.‏ فقال له طيئ‏:‏ لك شرطك‏.‏ فأقبل الأسود بن عفار ومعه قوس من حديد ونشاب من حديد، فقال‏:‏ يا عمرو إن شئت صارعتك، وإن شئت ناضلتك‏.‏ وإلا سايفتك‏.‏ فقال عمرو‏:‏ الصراع أحب إلي فاكسر قوسك لأكسرها أيضاً ونصطرع‏.‏

وكانت مع عمرو بن الغوث قوسٌ موصولة بزرافين إذا شاء شدها وإذا شاء خلعها؛ فأهوى بها عمرو فانفتحت الزرافين واعترض الأسود بقوسه ونشابه فكسرها فلما رأى عمرو ذلك أخذ قوسه فركبها وأوترها وناداه‏:‏ يا أسود، استعن بقوسك فالرمي أحب إلي‏.‏ فقال الأسود‏:‏ خدعتني‏.‏ فقال عمرو‏:‏ الحرب خدعة، فصارت مثلاً‏.‏ فرماه عمرو ففلق قلبه، وخلص الجبلان لطيئ، فنزلهما بنو الغوث، ونزلت جديلة السهل منهما‏.‏

وروى أمن السوية أي‏:‏ من العدل‏.‏ والأجنب بالجيم والنون‏:‏ الغريب والبعيد؛ وروى الأخيب أي‏:‏ الخائب‏.‏ وأشجتكم، من الشجى وهو الحزن، وفعله في باب تعب، وأشجاه أحزنه‏.‏ والحيس بفتح المهملة‏:‏ لبن وأقط وسمن وتمر، يصنع منه طعام‏.‏ والملاح بكسر الميم‏:‏ جمع مليح، يقال قليب مليح أي‏:‏ ماؤه ملح‏.‏ والخبت بفتح المعجمة وسكون الموحدة‏:‏ المطمئن من الأرض فيه رمل‏.‏ والمجدب اسم فاعل من الجدب بفتح الجيم وسكون المهملة‏:‏ نقيض الخصب بكسر المعجمة‏.‏

وقوله‏:‏

هذا وجدكم الصغار بعينه‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

هو من شواهد س وغيره‏.‏ والشاهد فيه رفع الاسم الثاني مع فتح الأول‏.‏ وذلك إما على إلغاء الثانية ورفع تاليها بالعطف على محل الأولى مع اسمها، وعلى هذا فخبرهما واحد؛ وإما على تقدير لا الثانية معتداً بها عاملةً عمل ليس، فيكون لكل من الأولى والثانية خبر يخصها، لأن خبر الأولى مرفوع وخبر الثانية منصوب‏.‏وهذا مبتدأ، وخبره الصغار بفتح الصاد بمعنى الذل‏.‏ وقوله وجدكم، جملة قسمية معترضة بين المبتدا والخبر‏.‏

قال اللخمي‏:‏ والجد هنا‏:‏ أبو الأب‏:‏ والجد أيضاً‏:‏ البخت والسعد والعظمة‏.‏ ويروى‏:‏ هذا لعمركم‏.‏

وقوله بعينه‏:‏ تأكيد للصغار وزيدت الباء كما يقال جاء زيد بعينه،؛ وقيل‏:‏ حال مؤكدة، أي‏:‏ هذا الصغار حقاً‏.‏

وقال اللخمي‏:‏ وبعينه حال من الصغار والعامل فيه ما في ها من معنى التنبيه، وما في ذا من معنى الإشارة‏.‏ وذاك‏:‏ فاعل كان إذ هي تامة؛ ويجوز أن تكون ناقصة وخبرها محذوف؛ أي‏:‏ إن كان ذاك مريضاً، ولابد على الوجه الأول من حذف مضاف، أي‏:‏ إن كان رضاء ذاك، ليصح المعنى، لأنه إنما اشترط أنه لا يرضى بذلك الخسف الذي يطلب منه؛ وجملة الشرط معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وسد ما قبل الشرط مسد الجواب، أي‏:‏ إن كان ذلك انتفيت من أمي وأبي‏.‏ والمشار إليه باسم الإشارة في الموضعين الفعل الذي فعلوه به‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو الشاهد التاسع والثمانون

فيها ازدهاف أيما ازدهاف

على انه نصب أيما على المصدر والحال، مع أنه لم يذكر صاحب الاسم ولا الموصوف؛ وهو في غاية الضعف، والوجه الإتباع في مثله، وهو رفعه صفة لازدهاف، لكنه حمله على المعنى، لأنه إذ قال فيها ازدهاف فكأنه قال‏:‏ تزدهف أيما ازدهاف‏.‏

قال سيبويه‏:‏ فإن قلت‏:‏ له صوت أيما صوت، ومثل صوت الحمار، وله صوتٌ صوتاً حسناً جاز؛ زعم ذلك الخليل‏.‏ ويقوي ذلك أن يونس وعيسى زعما أن رؤبة كان ينشد هذا البيت نصبا‏.‏

وزعم الجرمي أن نصبه على إضمار تزدهف، قال‏:‏ ولا يجوز نصبه بازدهاف، لأن المصدر لا يعمل في المصدر‏.‏ وهذا البيت من أرجوزة طويلة تزيد على ثمانين بيتاً لرؤية ابن العجاج، يعاتب بها أباه، منها‏:‏

إنك لم تنصف أبا الجحاف *** وكان يرضى منك بالإنصاف

وهو عليك واسع العطاف *** غاديك بالنفع وأنت جافي

عنه، ولا يخفى الذي تجافي *** كيف تلومه على الإلطاف

وأنت لو ملكت بالإتلاف *** شبت له شوباً من الذعاف

وهو لأعدائك ذو قراف *** لا تعجلني الحتف ذا الإتلاف

والدهر إن الدهر ذو ازدلاف *** بالمرء ذو عطفٍ وذو انصراف

إلى أن قال‏:‏

وإن تشكيت من الإسخاف *** لم أر عطفاً من أب عطاف

فليت حظي من جداك الضافي *** والنفع أن تتركني كفاف

ليست قوى حبلي بالضعاف *** لولا توقي على الإشراف

أقحمني في النفنف النفناف *** في مثل مهوى هوة الوصاف

قولك أقوالاً مع التحلاف *** فيه ازدهاف أيما ازدهاف

والله بين القلب والأضعاف

أبو الجحاف بفتح الجيم وتشديد الحاء المهملة‏:‏ كنية رؤبة‏.‏ والعطاف بكسر العين‏:‏ الرداء، مأخوذ من العطف وهو الميل والمحبة‏.‏ وغاديك‏:‏ من الغدوة وهو من أول النهار إلى الزوال؛ يقال غدا عليه غدواً وغدواً بالضم‏:‏ إذا بكر؛ وغاداه‏:‏ باكره‏.‏ والجفو‏:‏ الارتفاع، والتباعد، ونقيض الوصل‏.‏ والإلطاف بكسر الهمزة‏:‏ السير، يقال ألطفه بكذا أي‏:‏ بره‏.‏ وملكت بالبناء للمفعول وتشديد اللام‏.‏ والشوب‏:‏ الخلط والمزج‏.‏ والذعاف بضم الذال المعجمة‏:‏ السم، وقيل سم ساعةٍ‏.‏ والقراف، بكسر القاف‏:‏ المقاربة‏.‏ وضمير هو للإتلاف أي‏:‏ إتلافي مقرب للأعداء إليك‏.‏ والازدلاف‏:‏ الاقتراب، في الحديث ازدلفوا إلى الله بركعتين أي‏:‏ تقربوا، وأصل الزلفة المنزلة والحظوة‏.‏

وقوله بالمرء، متعلق بالازدلاف والعطف‏:‏ الإقبال‏.‏ والانصراف‏:‏ الإدبار‏.‏ والإسخاف بكسر الهمزة وبعد السين المهملة خاء معجمة‏:‏ رقة العيش‏.‏ وسخفة الجوع بالفتح‏:‏ رقته وهزاله والعطف‏:‏ الشفقة والعطاف مبالغة عاطف، والجدى بفتح الجيم والقصر‏:‏ الجدوى، وهما العطية والضافي بالمعجمة‏:‏ الكثير، من ضفا المال‏:‏ إذا كثر؛ وبمعنى السابغ، يقال ثوب ضاف من ضفا الشيء يضفو ضفواً‏.‏

وقوله‏:‏ والنفع، بالجر عطفاً على جداك، وروى بدله والفضل‏.‏

وقوله‏:‏ أن تتركني كفاف، خبر ليست‏.‏ أورده ابن هشام في المغني على أن فعال بناؤه على الكسر مشهور في المعارف كحذام لشبهه بنزال، وقد جاء في غير المعارف ومنه هذا، والأصل كافا فهو حال وترك كفاف فمصدر‏.‏

وقول الصاغاتي في العباب‏:‏ كفاف في هذا البيت هو من قولهم دعني كفاف أي‏:‏ كف عني وأكف عنك، أي‏:‏ ننجو رأساً برأس، وعليه فهو اسم فعل قد جاء على بابه‏.‏ والقوى، جمع قوة، وهي إحدى طاقات الحبل‏.‏ والضعاف‏:‏ جمع ضعيف‏.‏ والتوقي‏:‏ التخوف، وأصله جعل النفس في وقاية مما يخاف‏.‏ والوقاية‏:‏ فرط الصيانة، وقيل حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره‏.‏ والإشراف بكسر الهمزة‏:‏ النفقة، كذا في العباب، أي‏:‏ أني جلد غير عاجز عن الاكتساب لولا أني ملازم على خدمتك وحالف على تعظيمك‏.‏ وأقحمني‏:‏ أدخلني، يقال قحم فلان بنفسه في كذا‏:‏ إذا دخل فيه من روية؛ وفاعله هو قولك الآتي‏.‏ والنفنف‏:‏ بنونين كجعفر‏:‏ المهوى بين جبلين، وصقع الجبل الذي كأنه جدار مبني مستوٍ، والنفناف بمعناه، جعل وصفاً له بمعنى الصعب والشديد‏.‏

وقوله في مثل مهوى، بدل من قوله في النفنف‏.‏ والمهوى ومثله المهواة بمعنى المسقط‏:‏ اسم مكان من هوى بالفتح يهوي بالكسر هوياً بضم الهاء وكسر الواو وتشديد الياء، ويقال لما بين الجبلين ونحوه أيضاً مهوى، والهوة بضم الهاء وتشديد الواو‏:‏ الوهدة العميقة‏.‏ والوصاف بفتح الواو وتشديد الصاد المهملة‏:‏ رجل من سادات العرب اسمه مالك بن عامر بن كعب بن سعد بن ضبيعة بن عجل بن لجيم، وسمي الوصاف لحديث له، قال أبو محمد الأعرابي‏:‏ هوة الوصاف في شعر رؤبة‏.‏ دحل بالحزن لبني الوصاف من بني عجل؛ وهوة الوصاف مثل في العرب يستعملونه في الدعاء على الإنسان، يقال كبه الله في هوة ابن الوصاف‏:‏ وقولك فاعل أقحمني‏.‏ وأقوالا‏:‏ جمع قول بمعنى المقول‏.‏ والتحلاف بفتح التاء‏:‏ مصدر بمعنى الحلف؛ يقول‏:‏ إن أقوالك الكاذبة المؤكدة بالأيمان الباطلة غرتني حتى أوقعتني بالشدائد والمهالك‏.‏ وقوله‏:‏ فيه، أي في قولك، وفي التحلاف، وروى فيها أي في الأقوال‏.‏

في العباب‏:‏ وازدهفه‏:‏ استخفه، وفيه ازدهاف أي‏:‏ استعجال وتقحم، زاد في القاموس‏:‏ وتزيد في الكلام؛ يريد أن كلامه يستخف العقول‏.‏ وأي هذه الدالة على معنى الكمال، وإذا وقعت بعد النكرة كانت صفة لها، وبعد المعرفة كانت حالاً منها؛ لكنها نصبت هنا على المصدرية، ويجوز رفعها على الوصفية، وما زائدة‏.‏ والله مبتدأ والظرف خبره‏.‏ والأضعاف أعضاء الجسد جمع ضعف بالكسر، أي‏:‏ إن الله عالم بما في الضمائر ولا يخفى عليه ما تضمره لي‏.‏

والسبب في عتاب رؤبة أباه‏:‏ ما رواه الأصمعي قال‏:‏ قال رؤبة‏:‏ خرجت مع أبي نريد سليمان بن عبد الملك، فلما سرنا بعض الطريق قال لي‏:‏ أبوك راجز وأنت مفحم‏.‏ قلت‏:‏ أفأقول‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فقلت أرجوزة‏.‏ فلما سمعها قال لي‏:‏ اسكت فض الله فاك‏.‏

فلما وصلنا إلى سليمان أنشده أرجوزتي، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما خرجنا من عنده قلت له‏:‏ أتسكتني وتنشده أرجوزتي‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ اسكت ويلك‏!‏ فإنك أرجز الناس‏.‏ فالتمست منه أن يعطيني نصيباً مما أخذه بشعري، فأبى فنابذته فقال‏:‏

لطالما أجرى أبو الجحاف *** لهيئة بعيدة الأطراف

يأتي على الأهلين والألاف *** سرهفته ما شئت من سرهاف

حتى إذا ما آض ذا أعراف *** كالكودن المشدود بالإكاف

قال‏:‏ الذي عندك لي صراف *** من غير ما كسبٍ ولا احتراف

فأجبته بهذه الأرجوزة‏.‏

وفي كتاب مناقب الشبان وتقديمهم على ذوي الأسنان كان رؤبة يرعى إبل أبيه حتى بلغ، وهو لا يقرض الشعر، فتزوج أبوه امرأة تسمى عقرب، فعادت رؤبة، وكانت تقسم إبله على أولادها الصغار، فقال رؤبة‏:‏ ما هم بأحق مني لها‏!‏ إني لأقاتل عنها السنين وأنتجع بها الغيث‏.‏ فقالت عقرب للعجاج أسمع هذا وأنت حي‏!‏ فكيف بنا بعدك‏؟‏ فخرج فزبرة وصاح به وقال له‏:‏ اتبع إبلك، ثم قال‏:‏ الرجز

لطالما أجرى أبو الجحاف *** في فرقة طويلة التجافي

لما رآني أرعشت أطرافي *** استعجل الدهر وفيه كافي

يخترم الإلف مع الألاف

في أبيات‏.‏ فأنشده رؤبة يجيبه‏:‏ الرجز

إنك لم تنصف أبا الجحاف *** وكان يرضى منك بالإنصاف

وهو عليك دائم التعطاف

هكذا روى هذين الوجهين السيوطي في شرح شواهد المغني‏.‏

وقوله‏:‏ لطالما أجرى أبو الجحاف أجرى‏:‏ أرسل جرياً بفتح الجيم وتشديد الياء - وهو الرسول، والأجير، والوكيل - ومفعوله محذوف، أي أجراني، يقول طالما استخدمني في صغره‏.‏ والهيئة‏:‏ التهيؤ، يقال هاء للأمر يهاء ويهيء‏:‏ إذا أخذ له هيئته كتهيأ له، وهيأه تهيئة‏:‏ أصلحه‏.‏ والألاف بضم الهمزة وتشديد اللام‏:‏ جمع ألف كعمال جمع عامل‏.‏ والسرهفة‏:‏ نعمة الغذاء بفتح النون، يقال سرهفت الصبي وسرعفته‏:‏ إذا أحسنت غذاءه، والسرهاف بالكسر‏.‏

وروى‏:‏ سرعفته ما شئت من سرعاف وآض بمعنى صار‏.‏ والأعراف‏:‏ جمع عرف الفرس‏.‏ والكودن‏:‏ الفرس الهجين، والبرذون، والبغل‏.‏ والإكاف‏:‏ البرذعة‏.‏ وهذه صفات ذم له، يريد أنه رباه حتى صار رجلاً ذا لحية‏.‏ وصراف‏:‏ اسم فعل أمر بمعنى اصرف‏.‏

وقوله في الوجه الثاني‏:‏

استعجل الدهر وفيه كافي

كقول الآخر‏:‏

تعين علي الدهر والدهر مكتف

وقول كسرى‏:‏ إذا أدبر الدهر عن قوم كفى عدوهم‏.‏

وترجمة رؤبة تقدمت في الشاهد الخامس أول الكتاب‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو الشاهد التسعون

وهو من شواهد سيبويه‏:‏

إني لأمنحك الصدود وإنني *** قسماً إليك مع الصدود لأميل

على أن قسماً تأكيد للحاصل من الكلام السابق بسبب إن واللام، يعني أن قسماً تأكيدٌ لما في قوله‏:‏ وإنني مع الصدود لأميل إليك‏:‏ من معنى القسم، لما فيه من التحقيق والتأكيد من إن ولام التأكيد؛ فلما كان في الجملة منهما تحقيق والقسم أيضاً تحقيق صار كأنه قال‏:‏ أقسم قسماً‏.‏

وقال ابن خلف‏:‏ الشاهد فيه أنه جعل قسماً تأكيداً لقوله‏:‏ وإنني إليك لأميل، وقوله وإنني إليك لأميل جواب قسم، فجعل قسماً تأكيداً لما هو قسم‏.‏

وروى أبو الحسن‏:‏ أصبحت أمنحك كأنه قال‏:‏ أصبحت أمنحك الصدود ووالله إني إليك لأميل‏.‏ وهم يحذفون اليمين وهم يريدونها ويبقون جوابها‏.‏

وفيه نظر من وجهين‏:‏ الأول أن الجملة ليست جواب قسم محذوف‏.‏ والثاني‏:‏ أن المؤكد لا يحذف‏.‏

وجعل ابن السراج في الأصول التوكيد من جهة الاعتراض فقال‏:‏ قوله قسماً اعتراض، وجملة هذا الذي يجيء معترضاً إنما يكون تأكيد للشيء ولدفعه، لأنه بمنزلة الصفة في الفائدة يوضح عن الشيء ويؤكده‏.‏

وقال ابن جني في إعراب الحماسة‏:‏ انتصاب قسمٍ، لا يخلو أن يكون بما تقدم من قوله إني لأمنحك الصدود، ومن جملة إنني إليك لأميل‏.‏ ولا يجوز الأول من حيث كان في ذلك الحكم، لجواز الفصل بين اسم إن وخبرها بمعمول جملة أخرى أجنبي عنها؛ فثبت بذلك أنه من الجملة الثانية وأنه منصوب بفعل محذوف دل عليه قوله‏:‏ وإنني إليك لأميل، أي‏:‏ أقسم قسماً، وأضمر هذا الفعل، وإنما سبق الجزء الأول من الجملة الثانية وهو اسم إن؛ وهذا واضح‏.‏

وهذا البيت من قصيدة للأحوص الأنصاري، يمدح بها عمر بن عبد العزيز الأموي‏.‏ وأولها‏:‏

يا بيت عاتكة الذي أتعزل *** حذر العدا وبه الفؤاد موكل

إني لأمنحك الصدود وإنني ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏البيت

ولقد نزلت من الفؤاد بمنزل *** ما كان غيرك والأمانة ينزل

ولقد شكوت إليك بعض صبابتي *** ولما كتمت من الصبابة أطول

هل عيشنا بك في زمانك راجع *** فلقد تفحش بعدك المتعلل

فصددت عنك وما صددت لبغضة *** أخشى مقالة كاشح لا يغفل

ولو أن ما عالجت لين فؤاده *** فقسا استلين به للان الجندل

ولئن صددت لأنت، لولا رقبتي *** أشهى من اللائي أزور وأدخل

وتجنبي بيت الحبيب أحبه *** أرضي البغيض به حديث معضل

وقال في آخرها يخاطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله‏:‏

وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم *** مذق الحديث يقول ما لا يفعل

وأرى المدينة حين كنت أميره *** أمن البريء بها ونام الأعزل

وهذا آخر القصيدة‏.‏ وعاتكة هي بنت يزيد بن معاوية وكانت ممن يشبب بها من النساء‏.‏

وقوله‏:‏ أتعزل، بالعين المهملة، أي‏:‏ أتجنبه وأكون عنه بمعزل‏.‏ وقوله‏:‏ وبه الفؤاد موكل من وكلته بأمر كذا‏:‏ فوضته إليه‏.‏ وقوله‏:‏ إني لأمنحك الصدود‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، يريد أنه يظهر هجر هذا البيت ومن فيه وهو محب لهم خوفاً من أعدائه‏.‏ والواو في قوله‏:‏ والأمانة، واو القسم‏.‏ وتفحش‏:‏ من فحش الشيء فحشا مثل قبح قبحاً وزنا ومعنى‏.‏ والمتعلل اسم مفعول من تعلل بالشيء‏:‏ إذا تلهى به، وعلله بالشيء إذا ألهاه به كما يعلل الصبي بشيء من الطعام عن اللبن، يقال فلان يعلل نفسه بتعلة‏.‏ وجملة قوله‏:‏ أخشى مقالة كاشح، استئناف بياني‏.‏ ويغفل من باب نصر ينصر‏.‏

وقوله‏:‏ ولو أن ما عالجت‏.‏‏.‏‏.‏إلخ، ضمير فؤاده عائد للكاشح - وهذا البيت من أبيات مغني اللبيب - وهو بنقل فتحة الألف إلى واو لو، وما‏:‏ موصوله اسم أن، وعالجت صلة والعائد محذوف أي‏:‏ به، وجملة استلين بالبناء للمفعول خبر لأن، والجندل نائب الفاعل، وللان جواب لو وفاعله ضمير الجندل، وقسا‏:‏ عطف على الصلة بالفاء وهو خال عن الربط لأن ضميره عائد إلى الفؤاد، ولما كان في الفاء معنى السببية اكتفى من الجملتين بضمير واحد وهو المجرور المحذوف، وحذفت به الأولى من الصلة اكتفاء ببه الثانية، وهو محل الشاهد في المغني‏.‏

وقوله‏:‏ لولا رقبتي، هو بكسر الراء اسم من المراقبة بمعنى الخوف‏.‏

والبيت الأول قد عرض به بعض المدنيين لأبي جعفر المنصور، قال المدايني‏:‏ لما حج المنصور قال للربيع‏:‏ أبغني فتىً من أهل المدينة أديباً ظريفاً عالماً بقديم ديارها ورسوم آثارها، فقد بعد عهدي بديار قومي وأريد الوقوف عليها‏.‏ فالتمس له الربيع فتى أعلم الناس بالمدينة، وأفهمهم بظريف الأخبار وشريف الأشعار، فعجب به المنصور؛ وكان يسايره أحسن مسايرة، ويحاضره أزين محاضرة، ولا يبتدئه بخطاب، إلا على وجه الجواب، فإذا سأله أتى بأوضح دلالة، وأفصح مقالة‏.‏ فأعجب به المنصور غاية الإعجاب وقال للربيع‏:‏ ادفع إليه عشرة آلاف درهم - وكان الفتى مملقاً مضطراً - فتشاغل الربيع عن القضاء، واضطرته الحاجة إلى الاقتضاء، وقيل قال له الربيع‏:‏ لا بد من معاودته وإن أحببت دفعت إليك سلفاً من عندي حتى أعاوده فيما أمر لك‏.‏ فأبقى ذلك حتى إذا كان في بعض الليالي قال عند منصرفه مبتدئاً‏:‏ وهذه الدار يا أمير المؤمنين دار عاتكة التي يقول فيها الأحوص‏:‏

يا بيت عاتكة الذي أتعزل

ثم سكت فأنكر المنصور هذا من حاله، وفكر فيأمره فعرض الشعر على نفسه فإذا فيه‏.‏

وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم *** مذق الحديث يقول ما لا يفعل

فقال للربيع‏:‏ أدفعت للرجل ما أمرنا له به‏؟‏ قال‏:‏ لا، يا أمير المؤمنين‏.‏ قال‏:‏ فليدفع إليه مضاعفاً‏.‏

وهذا أحسن إفهام من الفتى وأحسن فهم من المنصور‏.‏ ولم يسمع في التعريض بألطف منه‏.‏

ولقول الأحوص سبب ذكره عبد الله بن عبيدة بن عمار بن ياسر قال‏:‏ خرجت أنا والأحوص بن محمد، مع عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الحج؛ فلما كنا بقديد قلنا لعبد الله بن الحسن‏:‏ لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دباكل الخزاعي فأتشدنا نمن رقيق شعره فأرسل إليه‏.‏ فأنشدنا قصيدة له يقول فيها‏:‏

يا بيت خنساء الذي أتجنب *** ذهب الزمان وحبها لا يذهب

أصبحت أمنحك الصدود وإنني *** قسماً إليك مع الصدود لأجنب

مالي أحن إلى جمالك قربت *** وأصد عنك وأنت مني أقرب

لله درك‏!‏ هل لديك معول *** لمتيم أم هل لودك مطلب

فلقد رأيتك قبل ذاك وإنني *** لموكل بهواك لو يتجنب

إذ نحن في الزمن الرخي وأنتم *** متجاورون كلامكم لا يرقب

تبكي الحمامة شجوها فيهيجني *** ويروح عازب همي المتأوب

وتهب سارية الرياح من أرضكم *** فأرى البلاد بها تطل وتجنب

وأرى السمية باسمكم فيزيدني *** شوقاً إليك سميك المتغرب

وأرى الصديق يودكم فأوده *** إن كان ينسب منك ويتنسب

وأخالق الواشين فيك تجمل *** وهم علي ذوو ضغائن دؤب

ثم اتخذتهم علي وليجةً *** حتى غضبت ومثل ذاك يغضب

فلما كان من قابل حج أبو بكر بن عبد العزيز؛ فلما مر بالمدينة دخل عليه الأحوص بن محمد فاستصحبه، ففعل‏.‏

فلما خرج الأحوص قال له بعض من عنده‏:‏ ما تريد بنفسك‏؟‏ تقدم الشام بالأحوص وفيها من ينفسك من بني أبيك، وهو من السفه على ما علمت‏!‏ فلما رجع أبو بكر من الحج دخل عليه الأحوص متنجزاً ما وعده من الصحبة‏.‏ فدعا له بمائة دينار وأثواب، وقال‏:‏ يا خال إني نظرت فيما ضمنت لك من الصحابة، فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين‏.‏ فقال الأحوص‏:‏ لا حاجة لي بعطيتك، ولكني سبعت عندك‏.‏

ثم خرج فأرسل عمر بن عبد العزيز إلى الأحوص وهو أمير المدينة؛ فلما دخل عليه أعطاه مائة دينار وكساه ثياباً، ثم قال‏:‏ يا خال هب لي عرض أخي‏.‏ قال‏:‏ هو لك، ثم خرج الأحوص وهو يقول في عروض قصيدة سليمان المذكورة، يمدح عمر بن عبد العزيز‏:‏

يا بيت عاتكة الذي أتعزل *** حذر العدا وبه الفؤاد موكل

حتى انتهى إلى قوله‏:‏

فسموت عن أخلاقهم فتركتهم *** لنداك، إن الحازم المتوكل

ووعدتني في حاجتي فصدقتني *** ووفيت إذ كذبوا الحديث وبدلواد

ولقد بدأت أريد ود معاشر *** وعدوا مواعد أخلفت إذ حصلوا

حتى إذا ما صنعوا إليك برحلة *** عجلى، وعندك منهم المتحول

وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم *** مذق الحديث يقول ما لا يفعل

فقال له عمر بن عبد العزيز‏:‏ ما أراك أعفيتني مما استعفيتك‏!‏ والأحوص وإن أغار على قصيدة سليمان، فقد أربى عليه في الإحسان، وكان كما قال ابن المرزبان وقد أنشد لابن المعتز قصيدته في مناقضة ابن طباطبا العلوي التي أولها‏:‏

دعوا الأسد تكنس غاباته *** ولا تدخلوا بين أنيابها

وقال‏:‏ أخذه من قول بعض العباسيين المتقدمين‏:‏

دعوا الأسد تكنس أغياله *** ولا تقربوها وأشبالها

ولكنه أخذه ساجاً، ورده عاجا‏.‏ وغل قطيفة، ورد ديباجا‏.‏

والمذق بكسر الذال المعجمة‏:‏ من يخلط بكلامه كذبا، من مذقت اللبن والشارب من باب قتل‏:‏ إذا مزجته وخلطته‏.‏

وعاتكة بنت يزيد المذكورة هي زوجة عبد الملك بن مروان؛ وكان شديد المحبة لها، فغاضبته في بعض الأمور وسدت الباب الذي بينها وبينه، فساءه ذلك وتعاظمه وشكاه إلى من يأنس به من خاصته؛ فقال له عمر بن بلال الأسدي‏:‏ إن أنا أرضيتها لك حتى ترضى فما الثواب‏؟‏ قال‏:‏ حكمك‏.‏ فأتى إلى بابها وقد مزق ثوبه وسوده، فاستأذن عليها وقال‏:‏ الأمر الذي أتيت فيه عظيم؛ فأدخل لوقته فرمى بنفسه وبكى‏.‏ فقالت‏:‏ ما لك يا عم‏؟‏ قال‏:‏ لي ولدان هما من المبرة والإحسان إلي في غاية، وقد عدا أحدهما على أخيه فقتله وفجعني به، فاحتسبته وقلت‏:‏ يبقى لي ولد أتسلى به؛ فأخذه أمير المؤمنين وقال‏:‏ لا بد من القود، وإلا فالناس يجترئون على القتل‏!‏ وهو قاتله إلا أن يغيثني الله بك، فتحت الباب ودخلت على عبد الملك وأكبت على البساط تقبله وتقول‏:‏ يا أمير المؤمنين، قد تعلم فضل عمر بن بلال، وقد عزمت على فقتل ابنه فشفعني فيه‏.‏ قال عبد الملك‏:‏ ما كنت بالذي أفعل‏:‏ فأقبلت في الضراعة والخضوع حتى وعدها العفو عنه - وصلح ما بينهما ووفى لعمر بما وعده به‏.‏

كل هذا من كتاب الجواهر في الملح والنوادر تأليف أبي إسحاق إبراهيم بن علي المعروف بالحصري صاحب زهر الآداب‏.‏ وترجمة الأحوص تقدمت في الشاهد الخامس والثمانين‏.‏

وأنشد بعده‏:‏ وهو الشاهد الحادي والتسعون قول أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

إذن لاتبعناه على كل حالة *** من الدهر جداً غير قول التهازل

على أن المصدر المؤكد لغيره يكون في الحقيقة مؤكداُ لنفسه، لأنه إما مع صريح القول كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك عيسى ابن مريم قول الحق‏}‏، وما هو في معنى القول كما في هذا البيت، فإن قوله جداً مصدر مؤكد لما يحتمل غيره، فإن قوله اتبعناه يحتمل أن يكون قاله على سبيل الجد وهو المفهوم من اللفظ، وأن يكون قاله على طريق الهزل وهو احتمال عقلي‏.‏ فأكد المعنى الأول بما هو في معنى القول، لأنه أراد به‏:‏ قولاً جداً، والقرينة عليه ما بعده‏:‏ فإن قول التهازل يقابل قول الجد، فكان الأولى أن يقول‏:‏ قول جد بالإضافة ليناسب ما بعده‏:‏ فيكون لما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه‏.‏

وغير بالنصب صفة لقوله جداً، ولا تضر الإضافة إلى المعرفة فإنها متمكنة في الإبهام لا تتعرف‏.‏

وزعم ابن السراج أن غيرا إذا وقعت بين ضدين كما هنا اكتسبت التعريف من الإضافة‏.‏ ويرده قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل‏}‏ وإن زعم أنها في مثل هذا بدل، يرده أن غيراً وضعت للوصف، والبدل بالوصف ضعيف‏.‏ والتهازل بمعنى الهزل، فإن تفاعل قد يأتي بمعنى فعل، كتوانيت بمعنى ونيت، لكنه أبلغ من المجرد‏.‏ وقوله‏:‏ إذن لاتبعناه جواب قسم في بيت قبله وهو‏:‏

فو الله لولا أن أجيء بسبة *** تجر على أشياخنا في القبائل

والضمير المنصوب في اتبعناه راجع للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وروى لكنا اتبعناه‏.‏ والسبة بضم السين، يقال صار عليه هذا الأمر سبة أي‏:‏ عاراً يسب به‏.‏ وتجر‏:‏ بفتح الجيم مضارع جر، من جر عليهم جريرة، أي‏:‏ جنى عليهم جناية‏.‏ وفي بمعنى بين‏.‏

والبيتان من قصيدة طويلة تزيد على مائة بيت لأبي طالب عاذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها إلى أشراف قومه، وأخبر قريشاً أنه غير مسلم محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد أبداً حتى يهلك دونه؛ ومدحه فيها أيضاً‏.‏ وقالها في الشعب لما اعتزل مع بني هاشم وبني عبد المطلب قريشاً‏.‏

وسبب دخوله الشعب‏:‏ أن كفار قريش اتفق رأيهم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا‏:‏ قد أفسد أبناءنا ونساءنا‏.‏ فقالوا لقومه‏:‏ خذوا منا دية مضاعفة، ويقتله رجل من غير قريش، وتريحوننا وتريحون أنفسكم‏!‏ فأبى بنو هاشم من ذلك، وظاهرهم بنو عبد المطلب‏.‏ فاجتمع المشركون من قريش على منابذتهم وإخراجهم من مكة إلى الشعب‏.‏

فلما دخلوا الشعب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بمكة من المؤمنين أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكانت متجراً لقريش؛ وكان يثني على النجاشي بأنه لا يظلم عنده أحد‏.‏ فانطلق عامة من آمن بالله ورسوله إلى الحبشة، ودخل بنو هاشم وبنو عبد المطلب الشعب مؤمنهم وكافرهم‏:‏ فالمؤمن ديناً، والكافر حمية‏.‏ فلما عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد منعه قومه، أجمعوا على أن لا يبايعوهم ولا يدخلوا إليهم شيئاً من الرفق، وقطعوا عنهم الأسواق، ولم يتركوا طعاماً ولا إداماً إلا بادروا إليه واشتروه، ولا يناكحوهم ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في الكعبة، وتمادوا على العمل بما فيها من ذلك ثلاث سنين‏.‏

فاشتد البلاء على بني هاشم ومن معهم، فأجمعوا على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب‏:‏ يا عم، إن ربي قد سلط الأرضة على صحيفة قريش فلحستها، إلا ما كان اسماً لله فأبقته‏.‏ قال‏:‏ أربك أخبرك بهذا‏؟‏ قال‏:‏ نعم قال‏:‏ فو الله ما يدخل عليك أحد‏!‏ ثم خرج إلى قريش فقال‏:‏ يا معشر قريش، إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث الله عليها دابة فلحست ما فيها فإن كان كما يقول فأفيقوا، فلا والله لا نسلمه حتى نموت، وإن كان يقول باطلاً دفعناه إليكم‏.‏ فقالوا‏:‏ قد رضينا‏.‏ ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وقالوا‏:‏ هذا سحر ابن أخيك‏!‏ وزادهم ذلك بغياً وعدواناً‏.‏ فقال أبو طالب‏:‏ يا معشر قريش، علام نحصر ونحبس‏؟‏ وقد بان الأمر وتبين أنكم أهل الظلم والقطيعة‏!‏ ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة وقال‏:‏ اللهم انصرنا على من ظلمنا وقطع أرحامنا واستحل ما يحرم عليه منا‏.‏ ثم انصرف إلى الشعب وقال هذه القصيدة‏.‏

قال ابن كثير‏:‏ هي قصيدة بليغة جداً، لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع وأبلغ في تأدية المعنى‏.‏

وقد أحببت أن أوردها هنا منتخبة مشروحةً بشرح يوفي المعنى، محبة في النبي صلى الله عليه وسلم، وهي هذه‏:‏

خليلي ما أذني لأول عاذل *** بصغواء في حق ولا عند باطل

بصغواء‏:‏ خبر ما النافية وهي حجازية ولذا زيدت الباء‏.‏ والصغو‏:‏ الميل‏.‏ وأصغيت إلى فلان‏:‏ إذا ملت بسمعك نحوه‏.‏ ولأول عاذل‏:‏ متعلق بصغواء‏.‏ وفي حق متعلق بعاذل، أي‏:‏ لا أميل بأذني لأول عاذل في الحق، وإنما قيد العاذل بالأول لأنه إذا لم يقبل عذل العاذل الأول فمن باب أولى أن لا يقبل عذل العاذل الثاني، فإن النفس إذا كانت خالية الذهن ففي الغالب أن يستقر فيها أول ما يرد عليها‏.‏

خليلي إن الرأي ليس بشركةٍ *** ولا نهنه عند الأمور البلابل

أراد أن الرأي الجيد يكون بمشاركة العقلاء، فإن لم يتشاركوا‏:‏ بأن كانوا متباغضين لم ينتج شيئاً - والرأي ما لم يتخمر في العقول كان فطيرا‏.‏ والنهنه بنونين وهائين كجعفر‏:‏ المضيء والنير الشفاف الذي يظهر الأشياء على جليتها‏؟‏ وأصله الثوب الرقيق النسج، ومن شأنه أن لا يمنع النظر إلى ما وراءه، وهو معطوف على شركة‏.‏

والبلابل‏:‏ إما جمع بلبلة بفتح البائين، وجمع بلبال بفتحمها، وهما بمعنى الهم ووساوس الصدر، كزلازل جمع زلزلة وزلزال بالفتح، وهو إما على حذف مضاف أي‏:‏ ذات البلابل وإنها بدل من الأمور‏.‏

ولما رأيت القوم لا ود عندهم *** وقد قطعوا كل العرى والوسائل

أراد بالقوم كفار قريش‏.‏ والعرا‏:‏ جمع عروة، وهي معروفة وأراد بها هنا ما يتمسك به من العهود مجازاً مرسلاً‏.‏ والوسائل‏:‏ جمع وسيلة وهي ما يتقرب به‏.‏

وقد صارحونا بالعداوة والأذى *** وقد طاوعوا أمر العدو المزايل

صارحونا‏:‏ كاشفونا بالعداوة صريحاً - والصراحة وإن كانت لا زمة لكنها لما نقلت إلى باب المفاعلة تعدت‏.‏ والمزايل‏:‏ اسم فاعل من زايله مزايلة وزيلاً‏:‏ فارقه وباينه وإنما يكون العدو مفارقاً إذا صرح بالعداوة فلا تمكن العشرة‏.‏ ومن قال‏:‏ المزايل‏:‏ المعالج، وظنه من المزاولة لم يصب‏.‏

وقد حالفوا قوماً علينا أظنةً *** يعضون غيظاً خلفنا بالأنامل

حالفوا قوماً‏:‏ مثل صارحونا في أنه كان لازماً وتعدى إلى المفعول بنقله إلى باب المفاعلة‏.‏ والتحالف‏:‏ التعاهد والتعاقد على أن يكون الأمر واحداً في النصرة والحماية، وبينهما حلف أي‏:‏ عهد، والحليف‏:‏ المعاهد‏.‏ وعلينا متعلق بحالفوا‏.‏ والأظنة جمع ظنين، وهو الرجل المتهم، والظنة بالكسر التهمة، والجمع الظنن‏.‏ يقال منه أطنه وأظنه‏:‏ بالطاء والظاء إذا اتهمه‏.‏

قال الشاطبي في شرح الألفية‏:‏ أفعلة قياسٌ في كل اسم مذكر رباعي فيه مدة ثالثة، فهذه أربعة أوصاف معتبرة، فإن كان صفة لم يجمع قياساً على أفعلة، فإن جاء عليه فمحفوظ لا يقاس عليه، قالوا في شحيح‏.‏ أشحة، وفي ظنين‏:‏ أظنة‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أشحة عليكم‏}‏ وقال أبو طالب‏.‏‏.‏ وأنشد هذا البيت‏.‏

صبرت لهم نفسي بسمراء سمحةٍ *** وأبيض عضبٍ من تراث المقاول

الصبر‏:‏ الحبس‏.‏ والسمراء‏:‏ القناة‏.‏ والسمحة‏:‏ اللدنة اللينة التي تسمح بالهز والانعطاف‏.‏ والأبيض‏:‏ السيف‏.‏ والعضب‏:‏ القاطع‏.‏ والمقاول‏:‏ جمع مقول بكسر الميم‏:‏ الرئيس، وهو دون الملك؛ كذا في المصباح عن ابن الأنباري‏.‏

وقال السهيلي في الروض الأنف‏:‏ أراد بالمقاول آباءه، شبههم بالملوك ولم يكونوا ملوكاً ولا كان فيهم ملك، بدليل حديث أبي سفيان حين قال له هرقل‏:‏ هل كان في آبائه من ملك‏؟‏ فقال‏:‏ لا‏.‏ ويحتمل أن يكون هذا السيف من هبات الملوك لأبيه؛ فقد وهب ابن ذي يزن لعبد المطلب هباتٍ جزيلةً حين وفد عليه مع قريش يهنئونه بظفره بالحبشة، وذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامين‏.‏

وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي *** وأمسكت من أثوابه بالوصائل

الوصائل‏:‏ ثياب مخططة يمانية كان البيت يكسى بها‏.‏

قياماً معاً مستقبلين رتاجه *** لدى حيث يقضى حلفه كل نافل

الرتاج‏:‏ الباب العظيم، وهو مفعول مستقبلين‏.‏ والنافل‏:‏ فاعل من النافلة وهو التطوع‏.‏

أعوذ برب الناس من كل طاعنٍ *** علينا بسوءٍ وملحٍ بباطل

ومن كاشحٍ يسعى لنا بمعيبة *** ومن ملحقٍ في الدين ما لم نحاول

ملح‏:‏ اسم فاعل من ألح على الشيء‏:‏ إذا أقبل عليه مواظباً‏.‏ والمعيبة‏:‏ العيب والنقيصة‏.‏ ونحاول نريد‏.‏

وثورٍ ومن أرسى ثبيراً مكانه *** وراقٍ لبرٍ في حراء ونازل

وثورٍ‏:‏ معطوف على رب الناس‏.‏ وهو وثبير وحراء‏.‏ جبال بمكة‏.‏ والبر‏:‏ خلاف الإثم‏.‏ وهو رواية ابن اسحاق وغيره، وروى ابن هشام‏:‏ ليرقى وهو خطأ، لأن الراقي لا يرقى‏.‏ وإنما هو لبر أي‏:‏ في طلب بر‏.‏ أقسم بطالب البر بصعوده في حراء للتعبد فيه وبالنازل منه‏.‏

وبالبيت حق البيت من بطن مكة *** وبالله، إن الله ليس بغافل

وبالحجر الأسود إذ يمسحونه *** إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل

قال السهيلي‏:‏ وقوله بالحجر الأسود فيه زحاف يسمى الكف، وهو حذف النون من مفاعيلن، وهو بعد الواو من الأسود‏.‏ والأصائل‏:‏ جمع أصيلة، والأصل‏:‏ جمع أصيل، وذلك لأن فعائل جمع فعيلة‏.‏ والأصيلة‏:‏ لغة معروفة في الأصيل انتهى‏.‏ وهو ما بعد صلاة العصر إلى الغروب‏.‏

وموطئ إبراهيم في الصخر رطبةً *** على قدميه حافياً غير ناعل

موطئ إبراهيم عليه السلام‏:‏ هو موضع قدميه حين غسلت كنته رأسه وهو راكب، فاعتمد بقدمه على الصخرة حين أمال رأسه ليغسل - وكانت سارة قد أخذت عليه عهداً حين استأذنها في أن يطالع ما تركه بمكة‏.‏ فحلف لها أنه لا ينزل عن دابته ولا يزيد على السلام واستطلاع الحال غيرةً من سارة عليه من هاجر، فحين اعتمد على الصخرة ألقى الله فيها أثر قدمه آية‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فيه آياتٌ بيناتٌ مقام إبراهيم‏}‏‏.‏ أي منها مقام إبراهيم‏.‏ ومن جعل مقام إبراهيم بدلاً من آيات قال‏:‏ المقام، جمع مقامة‏.‏ وقيل‏:‏ بل هو أثر قدمه حين رفع القواعد من البيت وهو قائم عليه‏.‏

وأشواط بين المروتين إلى الصف *** وما فيهما من صورةٍ وتماثل

هو جمع تماثلن وأصله تماثيل، فحذف الياء‏.‏

ومن حج بيت الله من كل راكب *** ومن كل ذي نذرٍ ومن كل راجل

فهل بعد هذا من معاذٍ لعائذٍ *** وهل من معيذٍ يتقي الله عادل

المعاذ بالفتح‏:‏ اسم مكان من عاذ فلان بكذا، إذا لجأ إليه واعتصم به‏.‏ والمعيذ‏:‏ اسم فاعل من أعاذه بالله أي‏:‏ عصمه به‏.‏ وعادل‏:‏ صفة معيذ، بمعنى غير جائر‏.‏

يطاع بنا العدا، وودوا لو أنن *** تسد بنا أبواب تركٍ وكابل

العدا بضم العين وكسرها‏:‏ اسم جمع للعدو ضد الصديق، وروى الأعدا وهو جمع عدو‏.‏ وتسد بنا أي‏:‏ علينا‏.‏ والترك وكابل بضم الباء‏.‏ صنفان من العجم‏.‏

كذبتم وبيت الله نترك مكةً *** ونظعن إلا أمركم في بلابل

أي‏:‏ والله لا نترك مكة ولا نظعن منها، لكن أمركم في هموم ووساوس صدر‏.‏ وروى‏:‏ في تلاتل بالمثناة الفوقية، جمع تلتلة، وهو الاضطراب والحركة‏.‏

كذبتم وبيت الله نبزى محمد *** ولما نطاعن دونه ونناضل

الواو للقسم، ونبزى جواب القسم على تقدير لا النافية، فإنها يجوز حذفها في الجواب كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تالله تفتؤ‏}‏ أي‏:‏ لا تفتؤ‏.‏ ونبزى بالبناء للمفعول، أي‏:‏ نغلب ونقهر عليه، يقال أبزى فلان بفلان إذا غلبه وقهرهن كذا في الصحاح‏.‏ فهو بالباء والزاي المنقوطة‏.‏ ومحمداً منصوب بنزع الباء‏.‏ ولما‏:‏ نافية جازمة، والجملة المنفية حال من نائب فاعل نبزى‏.‏ والطعن يكون بالرمح، والنضال يكون بالسهم‏.‏

ونسلمه حتى نصرع حوله *** ونذهل عن أبنائنا والحلائل

ونسلمه بالرفع معطوف على نبزى، أي‏:‏ لا نسلمه، من أسلمه بمعنى سلمه لفلان، ومن أسلمه بمعنى خذله‏.‏ ونصرع ونذهل بالبناء للمفعول‏.‏ والحلائل‏:‏ جمع حليلة وهي الزوجة‏.‏

قال ابن هشام في السيرة‏:‏ قال عبيدة بن الحارث بن المطلب لما أصيب في قطع رجله يوم بدر‏:‏ أما والله لو أدرك أبا طالب هذا اليوم لعلم أني أحق بما قال منه حيث يقول‏:‏

كذبتم وبيت الله نبزى محمداً‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت وما بعده‏.‏

وينهض قومٌ في الحديد إليكم *** نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل

وينهض بفتح الياء وهو منصوب معطوفاً على نصرع، والنهوض في الحديد عبارة عن لبسه واستعماله في الحرب‏.‏ والروايا‏:‏ جمع راوية، وهو البعير والبغل والحمار الذي يستقى عليه‏.‏ وذات الصلاصل هي المزادة التي ينقل فيها الماء، وتسميها العامة الراوية، والصلاصل جمع صلصلة بضم الصادين وهي بقية الماء في الإدرة‏.‏ يريد‏:‏ أن الرجال - مثقلين بالحديد - كالجمال التي تحمل المياه مثقلة، شبه قعقعة الحديد بصلصلة الماء في المزادات‏.‏

وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه *** من الطعن فعل الأنكب المتحامل

نرى بالنون من رؤية العين‏.‏ والضغن بالكسر الحقد‏.‏ وجملة يركب حال من مفعول نرى، يقال للقتيل‏.‏ ركب ردعه‏:‏ إذ خر لوجهه على دمه‏.‏ والردع بفتح الراء وسكون الدال‏:‏ اللطخ والأثر من الدم والزعفران‏.‏ ومن الطعن متعلق بيركب‏.‏ والأنكب‏:‏ المائل إلى جهة، وأراد كفعل الأنكب، في الصحاح‏:‏ والنكب أي‏:‏ بفتحتين‏:‏ داء يأخذ الإبل في مناكبها فتظلع منه وتمشي منحرفة، يقال نكب البعير بالكسر ينكب نكباً فهو أنكبٌ‏.‏ وهو من صفة المتطاول الجائر‏.‏ والمتحامل بالمهملة‏:‏ الجائر والظالم‏.‏

وإنا لعمر الله إن جد ما أرى *** لتلتبسن أسيافنا بالأماثل

عمر الله مبتدأ والخبر محذوف أي‏:‏ قسمي، وجملة لتلتبسن جواب القسم، والجملة القسمية خبر إن‏.‏

وقوله إن جد إن شرطية، وجد بمعنى لج ودام وعظم، وما موصولة، وأرى من رؤية البصر، والمفعول محذوف وهو العائد، وجواب الشرط محذوف وجوباً لسد جواب القسم محله‏.‏ والالتباس‏:‏ الاختلاط والملابسة، والنون الخفيفة للتوكيد، وأسيافنا فاعل تلتبس‏.‏ والأماثل‏:‏ الأشراف، جمع أمثل‏.‏ والمعنى إن دام هذا العناد الذي أراه تنل سيوفنا أشرافكم‏.‏

بكفي‏:‏ تثنية كف، والباء متعلقة بقوله تلتبس - وقد حقق الله ما تفرسه أبو طالب يوم بدر‏.‏

وقوله‏:‏ مثل الشهاب، يريد أنه شجيع لا يقاومه أحد في الحرب، كأنه شعلة نار يحرق من يقرب منه‏.‏ والسميدع بفتح السين؛ وضمها خطأ، وبفتح الدال المهملة وإعجامها لا أصل له، خلافاً لصاحب القاموس؛ ومعناه السيد الموطأ الأكناف‏.‏

قال المبرد في أول الكامل‏:‏ معنى موطأ الأكناف‏:‏ أن ناحيته يتمكن فيها صاحبها غير مؤذى ولا ناب به موضعه‏.‏ والتوطئة التذليل والتمهيد، يقال دابة وطئ يا فتى، وهو الذي لا يحرك راكبه في مسيره؛ وفراش وطئ، إذا كان وثيراً لا يؤذي جنب النائم عليه‏.‏

قال أبو العباس‏:‏ حدثني العباس بن الفرج الرياشي قال‏:‏ حدثني الأصمعي قال‏:‏ قيل لأعرابي، وهو المنتجع بن نبهان‏:‏ ما السميدع‏؟‏ فقال‏:‏ السيد الموطأ الأكناف‏.‏ وتأويل الأكناف‏:‏ الجوانب، يقال في المثل‏:‏ فلان في كنف فلان كما يقال فلان في ظل فلان وفي ذرا فلان وفي ناحية فلان وفي حيز فلان‏.‏ انتهى‏.‏

والثقة‏:‏ مصدر وثقت به أثق بكسرهما‏:‏ إذا ائتمنته‏.‏ والأخ يستعمل بمعنى الملازم والمداوم‏.‏ والحقيقة‏:‏ ما يحق على الرجل أن يحميه‏.‏ والباسل‏:‏ الشجيع الشديد الذي يمتنع أن يأخذه أحد في الحرب؛ والمصدر البسالة، وفعله بسل بالضم‏.‏ وأراد بصاحب هذه الصفات الفاضلة محمداً صلى الله عليه وسلم‏.‏

وما ترك قومٍ لا أبا لك سيد *** يحوط الذمار غير ذربٍ مواكل

ما‏:‏ استفهامية تعجبية مبتدأ عند سيبويه وترك‏:‏ خبر المبتدأ، وعند الأخفش بالعكس‏.‏ وقوله‏:‏ لا أبا لك، يستعمل كناية عن المدح والذم، ووجه الأول‏:‏ أن يراد نفي نظير الممدوح بنفي أبيه، ووجه الثاني‏:‏ أن يراد أنه مجهول النسب، والمعنيان محتملان هنا‏.‏ والسيد من السيادة وهو المجد والشرف‏.‏ وحاطه يحوطه حوطاً‏.‏ رعاه وفي الصحاح‏:‏ وقولهم فلان حامي الذمار، أي إذا ذمر وغضب حمي، وفلان أمنع ذماراً من فلان‏.‏ ويقال الذمار‏:‏ ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه، لأنهم قالوا‏:‏ حلمي الذمار كما قالوا حامي الحقيقة‏.‏

وسمي ذماراً لأنه يجب على أهله التذمر له، وسميت حقيقة لأنه يحق على أهلها الدفع عنها‏.‏ وظل يتذمر على فلان‏:‏ إذا تنكر له وأوعده‏.‏

والذرب بفتح الذال المعجمة وكسر الراء، لكنه سكنه هنا، وهو الفاحش البذي اللسان‏.‏ والمواكل‏:‏ اسم فاعل من واكلت فلاناً موكلة‏:‏ إذا اتكلت عليه واتكل هو عليك، ورجل وكل بفتحتين، ووكله كهمزة، وتكله، أي عاجز يكل أمره إلى غيره ويتكل عليه‏.‏

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةً للأرامل

أبيض‏:‏ معطوف على سيد المنصوب بالمصدر قبله، وهو من عطف الصفات التي موصوفها واحد؛ هكذا أعربه الزركشي في نكته على البخاري المسمى بالتنقيح لألفاظ الجامع الصحيح، وقال‏:‏ لا يجوز غير هذا‏.‏ وتبعه ابن حجر في فتح الباري؛ وكذلك الدماميني في تعليق المصابيح على الجامع الصحيح، وفي حاشيته على مغني اللبيب أيضاً‏.‏

وزعم ابن هشام في المغني‏:‏ أن أبيض مجرور برب مقدرة وأنها للتقليل‏.‏ والصواب الأول؛ فإن المعنى ليس على التنكير، بل الموصوف بهذا الوصف واحدٌ معلوم‏.‏ والأبيض هنا بمعنى الكريم‏.‏

قال السمين في عمدة الحفاظ‏:‏ عبر عن الكرم بالبياض، فيقال‏:‏ له عندي يد بيضاء أي‏:‏ معروف؛ وأورد هذا البيت‏.‏ والبياض أشرف الألوان، وهو أصلها إذ هو قابل لجميعها، وقد كني به عن السرور والبشر، وبالسواد عن الغم‏.‏ ولما كان البياض أفضل الألوان قالوا‏:‏ البياض أفضل والسواد أهول، والحمرة أجمل، والصفرة أشكل‏.‏

ويستسقى بالبناء للمفعول؛ والجملة صفة أبيض‏.‏ والثمال‏:‏ العماد والملجأ والمطعم والمغني والكافي‏.‏ والعصمة‏:‏ ما يعتصم به ويتمسك، قال الزركشي‏:‏ يجوز فيهما النصب والرفع‏.‏ والأرامل جمع أرملة وهي التي لا زوج لها، لافتقارها إلى من ينفق عليها؛ وأصله من أرمل الرجل‏:‏ إذا نفذ زاده وافتقر فهو مرمل، وجاء أرمل على غير قياس‏.‏ قال الأزهري‏:‏ لا يقال للمرأة أرملة إلا إذا كانت فقيرة، فإن كانت موسرة فليست بأرملة؛ والجمع أرامل، حتى قيل رجل أرمل إذا لم يكن له زوج‏.‏

قال ابن الأنباري‏:‏ وهو قليل؛ لأنه لا يذهب بفقد امرأته، لأنها لم تكن قيمة عليه‏.‏

وقال ابن السكيت‏:‏ الأرامل‏:‏ المساكين، رجالاً كانو ونساء‏.‏

قال السهيلي في الروض الأنف‏:‏ فإن قيل‏:‏ كيف قال أبو طالب‏:‏ وأبيض يستسقى الغمام بوجهه، ولم يره قط استسقي به، إنما كانت استقاءاته عليه الصلاة والسلام بالمدينة في سفر وحضر، وفيها شوهد ما كان من سرعة إجابة الله له‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن أبا طالب قد شاهد من ذلك في حياة عبد المطلب ما دله على ما قال‏.‏ انتهى‏.‏

ورده بعضهم بأن قضية الاستسقاء متكررة؛ إذ واقعة أبي طالب كان الاستسقاء به عند الكعبة، وواقعة عبد المطلب كان أولها أنهم أمروا باستلام الركن ثم بصعودهم جبل أبي قبيس ليدعو عبد المطلب ومعه النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن القوم؛ فسقوا به‏.‏

قال ابن هشام في السيرة‏:‏ حدثني من أثق به قال‏:‏ أقحط أهل المدينة فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكوا ذلك إليه، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي يشكون منه الغرق؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم حوالينا ولا علينا‏!‏ فانجاب السحاب عن المدينة فصار حواليها كالإكليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسره‏.‏ فقال له بعض أصحابه وهو علي رضي الله عنه‏:‏ كأنك أردت يا رسول الله قوله

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه‏.‏‏.‏البيت

قال أجل‏!‏ انتهى‏.‏

وبتصديق النبي صلى الله عليه وسلم كون هذا البيت لأبي طالب - وعلي اتفق أهل السير - سقط ما أورده الدميري في شرح المنهاج في باب الاستسقاء عن الطبراني وابن سعد‏:‏ أن عبد المطلب استسقى بالنبي صلى الله عليه وسلم فسقوا، ولذلك يقول عبد المطلب فيه يمدحه‏.‏

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه‏.‏‏.‏ البيت

قال ابن حجر الهيتمي في شرح الهمزية‏:‏ وسبب غلط الدميري في نسبة هذا البيت لعبد المطلب‏:‏ أن رقيقة براء مضمومة وقافين بنت أبي صيفي بن هاشم وهي التي سمعت الهاتف في النوم وفي اليقظة - لما تتابعت على قريش سنون أهلكتهم - يصرخ‏:‏ يا معشر قريش‏!‏ إن هذا النبي المبعوث قد أظلتكم أيامه، فحيهلا بالحيا والخصب‏.‏ ثم امرهم بأن يستسقوا به، وذكر كيفية يطول ذكرها‏.‏‏.‏ فلما ذكرت الرواية في القصة أنشأت تمدح النبي صلى الله عليه وسلم بأبيات آخرها‏:‏

مبارك الأمر يستسقى الغمام به *** ما في الأنام له عدلٌ ولا خطر

فإن الدميري لما رأى هذا البيت في رواية قصة عبد المطلب التي رواها الطبراني - وهو يشبه بيت أبي طالب إذ في كل استسقاء الغمام به - توهم أن بيت أبي طالب لعبد المطلب‏.‏ وإنما هو لرقيقة المذكورة‏.‏

والحكم عليه بأنه عين البيت المنسوب لأبي طالب ليس كذلك، بل شتان ما بينهما‏.‏ فتأمل هذا المحل فإنه مبهم‏.‏ وقد اغتر بكلام الدميري من لا خيرة له بالسير انتهى‏.‏

يلوذ به الهلاك من آل هاشمٍ *** فهم عنده في رحمة وفواضل

يلوذ صفة أخرى لموصوف سيد‏.‏ والهلاك‏:‏ الفقراء والصعاليك الذين ينتابون الناس طلباً لمعروفهم من سوء الحال‏!‏ وهو جمع هالك، قال جميل‏:‏

أبيت مع الهلاك ضيفاً لأهله *** وأهلي قريب موسعون ذوو فضلٍ

وقال زياد بن حمل‏:‏

ترى الأرامل والهلاك تتبعه *** يستن منه عليهم وابلٌ رذم

جزى الله عنا عبد شمسٍ ونوفل *** عقوبة شر عاجلاً غير آجل

نوفل هو ابن خويلد بن أسد ابن عبد العزى بن قصي، وهو ابن العدوية؛ وكان من شياطين قريش، قتله علي بن أبي طالب يوم بدر‏.‏

بميزان قسطٍ لا يخس شعيرةً *** له شاهدٌ من نفسه غير عائل

بميزان متعلق بجزى الله‏.‏ والقسط بالكسر‏:‏ العدل‏.‏ وخس يخس من باب ضرب‏:‏ إذا نقص وخف وزنه فلم يعادل ما يقابله‏.‏ وله أي‏:‏ للميزان، شاهد أي‏:‏ لسان من نفسه، أي‏:‏ من نفس القسط، غير عائل صفة شاهد، أي غير مائل، يقال‏:‏ عال الميزان يعول‏:‏ إذا مال؛ كذا في العباب وأنشد هذا البيت كذا‏:‏

بميزان صدق لا يغل شعيرةً *** له شاهد‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ البيت

ونحن الصميم من ذؤابة هاشمٍ *** وأل قصي في الخطوب الأوائل

الصميم‏:‏ الخالص من كل شيء‏.‏ والذؤابة‏:‏ الجماعة العالية، وأصله الخصلة من شعر الرأس‏.‏

وكل صديقٍ وابن أختٍ نعده *** لعمري، وجدنا غبه غير طائل

الغب بالكسر‏:‏ العاقبة‏.‏ ويقال هذا الأمر لا طائل فيه، إذا لم يكن فيه غناء ومزية؛ مأخوذ من الطول بمعنى الفضل‏.‏

سوى أن رهطاً من كلاب بن مرةٍ *** براءٌ إلينا من معقة خاذل

قال السهيلي‏:‏ يقال قوم براء بالضم وبراء بالفتح وبراء بالكسر‏:‏ فأما براء بالكسر فجمع بريء مثل كريم وكرام، وأما براء فمصدر مثل سلام، والهمزة فيه وفي الذي قبله لام الفعل، ويقال رجل براء ورجلان براء، وإذا كسرته وضممت لم يجز إلا في الجمع، وأما براء بضم الباء فالأصل فيه برآء مثل كرماء واستثقلوا اجتماع الهمزتين فحذفوا الأولى، وكان وزنه فعلاء فلما حذفوا التي هي لام الفعل صار وزنه فعاء وانصرف لأنه أشبه فعالا‏.‏ والمعقة بفتح الميم‏:‏ مصدر بمعنى العقوق‏.‏

ونعم ابن أخت القوم غير مكذبٍ *** زهيرٌ حساماً مفرداً من حمائل

قال ابن هشام في السيرة‏:‏ زهير هو ابن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم؛ وأمه عاتكة بنت عبد المطلب انتهى‏.‏

وزهير هو المخصوص بالمدح مبتدأ، وجملة نعم ابن أخت القوم هو الخبر، وغير مكذب بالنصب حال من فاعل نعم وهو ابن‏.‏ ومكذب‏:‏ على صيغة اسم المفعول، يقال كذبته بالتشديد إذا نسبته إلى الكذب ووجدته كاذباً؛ أي‏:‏ هو صادق في مودته لم يلف كاذباً فيها‏.‏ والحسام‏:‏ السيف القاطع، وهو منصوب على المدح بفعل محذوف أي‏:‏ يشبه الحسام المسلول في المضاء‏.‏

ورواه العيني في شرح شواهد الألفية‏:‏ حسامٌ مفردٌ برفعهما وقال‏:‏ حسام صفة لزهير، وقوله مفرد من حمائل صفة للحسام وهذا على تقدير صحة الرواية خبط عشواء؛ فإن زهيراً علم وحسام نكرة‏!‏ والمفرد‏:‏ المجرد‏.‏ والحمائل‏:‏ جمع حمالة وهي علاقة السيف، مثل المحمل بكسر الميم، هذا قول الخليل، وقال الأصمعي‏:‏ حمائل السيف لا واحد لها من لفظها، وإنما واحدها محمل كذا في العباب‏.‏

وهذا البيت استشهد به شراح الألفية على أن فاعل نعم مظهر مضاف إلى ما أضيف إلى المعرف باللام‏.‏

أشم، من الشم البهاليل ينتمي *** إلى حسبٍ في حومة المجد فاضل

الشمم‏:‏ ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه، وهذا مما يمدح به، وهو أشم من قوم شم‏.‏ والبهاليل‏:‏ جمع بهلول بالضم‏.‏

قال الصاغاني‏:‏ والبهلول من الرجال الضحاك، وقال ابن عباد‏:‏ هو الحيي الكريم‏.‏ وينتمي‏:‏ ينتسب‏.‏ وفاضل بالضاد المعجمة صفة حسب‏.‏

لعمري، لقد كلفت وجداً بأحمدٍ *** وإخوته دأب المحب المواصل

كلفت بالبناء للمفعول والتشديد‏:‏ مبالغة كلفت به كلفاً من باب تعب‏:‏ إذا أحببته وأولعت به؛ ووجداً أي‏:‏ كلف وجد، يقال‏:‏ وجدت به وجداً‏:‏ إذا حزنت عليه‏.‏ وبأحمد متعلق بكلفت؛ وهو اسم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويجوز أن يكون من كلفته الأمر فتكلفه، مثل حملته فتحمله وزنا ومعنى مع مشقة، فوجداً مفعوله الثاني؛ وبدون التضعيف متعد لواحد، يقال كلفت الأمر من باب تعب‏:‏ حملته على مشقة‏.‏ وأراد بإخوته أولاده جعفراً وعقيلاً وعلياً رضي الله عنهم؛ فإن أبا طالب كان عم النبي صلى الله عليه وسلم، والعم أب فأولاده إخوة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ودأب مصدر منصوب بفعله المحذوف أي‏:‏ ودأبت دأب المحب، يقال فلان دأب في عمله‏:‏ إذا جد وتعب‏.‏

فلا زال في الدنيا جمالاً لأهله *** وزيناً لمن ولاه ذب المشاكل

الذب‏:‏ الدفع؛ والمشاكل‏:‏ جمع مشكلة

فمن مثله في الناس‏!‏ أي مؤملٍ *** إذا قاسه الحكام عند التفاضل‏!‏

أي هي الدالة على الكمال، خبر مبتدأ محذوف أي‏:‏ هو؛ والمؤمل الذي يرجى لكل خير‏:‏ والتفاضل بالضاد المعجمة، وهو التغالب بالفضل‏.‏

حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غير طائش *** يوالي إلهاً ليس عنه بغافل

أي‏:‏ هو حليم‏.‏ والطيش‏:‏ النزق والخفة‏:‏ ويوالي إلهاً أي‏:‏ يتخذه ولياً‏.‏ وهو فعيل بمعنى فاعل‏.‏ من وليه‏:‏ إذا قام به‏.‏ ومنه‏:‏ الله ولي الذين آمنوا ‏.‏

فأيده رب العباد بنصره *** وأظهر ديناً حقه غير ناصل

الحق‏:‏ خلاف الباطل، وهو مصدر حق الشيء من باب ضرب وقتل‏:‏ إذا وجب وثبت‏.‏ والناصل‏:‏ الزائل المضمحل، يقال نصل السهم‏:‏ إذا خرج منه النصل؛ ونصل الشعر ينصل نصولاً‏:‏ زال عنه الخضاب‏.‏

فو الله لولا أن أجيء بسبةٍ *** تجر على أشياخنا في القبائل

لكنا اتبعناه على كل حالةٍ *** من الدهر جداً غير قول التهازل

تقدم شرحهما أولاً‏.‏

لقد علموا أن ابننا لا مكذبٌ *** لدينا ولا يعنى بقول الأباطل

في النهاية‏:‏ يقال عنيت بحاجتك أعنى بها فأنا بها معني، وعنيت بها فأنا عانٍ، والأول أكثر، أي‏:‏ اهتممت بها واشتغلت‏.‏ انتهى‏.‏ وهو من باب تعب‏.‏

فأصبح فينا أحمدٌ في أرومةٍ *** يقصر عنها سورة المتطاول

تنوين أحمد للضرورة‏.‏ والأرومة بفتح الهمزة وضم الراء المهملة‏:‏ الأصل والسورة بالضم‏:‏ المنزلة، وبفتح السين السطوة والاعتداء‏.‏ والمتطاول من الطول بالفتح، وهو الفضل، وهذا بالنسبة إلى المنزلة؛ ومن تطاول عليه‏:‏ إذا قهره وغلبه، وهذا بالنسبة إلى السطوة‏.‏

حدبت بنفسي دونه وحميته *** ودافعت عنه بالذرا والكلاكل

حدب عليه كفرح وتحدب عليه أيضاً بمعنى تعطف عليه، وحقيقته جعل نفسه كالأحدب بالانحناء أمامه ليتلقى عنه ما يؤذيه‏.‏ ودونه أمامه‏.‏ والذرا بالضم‏:‏ أعالي الشيء، جمع ذروة بكسر الذال وضمها‏.‏ والكلاكل‏:‏ جمع كلكل كجعفر، بمعنى الصدر‏.‏

تنبيه رواية هذه القصيدة كما سطرت نقلتها من سيرة الشامي، ورواها ابن هشام في السيرة أزيد من ثمانين بيتاً، ومطلعها عنده‏:‏

ولما رأيت القوم لا ود فيهم *** وقد قطعوا كل العرى والوسائل

ولم يذكر البيتين الأولين مطلع القصيدة في رواية الشامي، ولا تعرض لهما السهيلي بشيء‏.‏

وأبو طالب هو عم النبي صلى الله عليه وسلم وناصره‏.‏ ولد قبل النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وثلاثين سنة‏.‏ ولما مات عبد المطلب وصى بالنبي صلى الله عليه وسلم إليه، فكفله وأحسن تربيته؛ وسافر به إلى الشام وهو شاب؛ ولما بعث صلى الله عليه وسلم قام بنصرته وذب عنه من عاداه، ومدحه عدة مدائح‏.‏

واسمه عبد مناف على المشهور، واشتهر بكنيته؛ وقيل‏:‏ اسمه عمران، وقيل‏:‏ شيبة‏.‏ قال الواقدي‏:‏ وتوفي أبو طالب في النصف من شوال في السنة العاشرة من النبوة، وهو ابن بضع وثمانين سنة‏.‏

واختلف في إسلامه، قال ابن حجر‏:‏ رأيت لعلي بن حمزة البصري جزءاً جمع فيه شعر أبي طالب، وزعم أنه كان مسلماً ومات على الإسلام، وأن الحشوية تزعم أنه مات كافراً؛ واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه‏.‏ انتهى‏.‏

ومن شعره قوله‏:‏

ودعوتني وزعمت أنك صادقٌ *** ولقد صدقت وكنت قبل أميناً

ولقد علمت بأن دين محمدٍ *** من خير أديان البرية دينا

ومن شعره الذي قاله وهو في الشعب‏:‏

ألا أبلغا عني على ذات بينن *** لؤياً وخصا من لؤي بني كعب

ألم تعلموا أنا وجدنا محمد *** نبياً كموسى خط في أول الكتب

وأن عليه في العباد مودةً *** وخير فيمن خصه الله بالحب

وهي قصيدة جيدة على هذا الأسلوب‏.‏

وأنشد بعده وهو